علم الاختراع والتطوي
...............................
إن المجتمع الذي لا يهتم بعملية الاختراع والتطوير يقتصر على استيراد الحلول، سيبقى إلى الأبد مجتمعاً بطيء التطور تابعاً لغيره .
فهناك أشياء كثيرة لا تشترى بالمال وتكون أحياناً في غاية الأهمية والحساسية، وإن عدم وجودها يشكل خطراً كبيراً في نواح كثيرة لا يمكن أن يقدمها إلا العقل المخترع لأبناء الوطن .
إن المقدرة على الاختراع هي بمثابة التزود ببصيرة خارقة غير محددة ويكون بذلك قد أمتلك أحد الأسلحة المهمة لتحرره، وإن تعليم الآخرين لعلم الاختراع والتطوير منذ الصغر وتنشئتهم تنشئة علمية تجعلهم يمتلكون فيها وجهة نظر متغيرة حيال الأشياء وهذا ما يطرحه علم الاختراع والتطوير، والذي يؤدي بهم إلى عدم المرور بمرحلة يكون فيها الناس مجرد عقلية صنمية تقليدية ساكنة يمتلكون وجهة نظر ثابتة حيال ما أمامهم فينقادون بحدوده ولا يستطيعون رؤية ما هو أبعد منه حتى يأتي الجديد على يد الآخرين ،كما يؤدي بهم الوصول مباشرة إلى مرحلة الخلق والإبداع والتألق الذي يتطلبه العصر الحديث .
إن مهمة علم الاختراع والتطوير تجعل الذين يتعلمونه ويمارسون العمل به يمتلكون وجهة نظر متغيرة حيال الأشياء فيستطيعون بواسطتها أن يروا أبعد من حدود الأشياء التي أمامهم ويتحرروا من أسر النماذج الجامدة السائدة لكي يطوروها، فخذ عبرةً من الصقر، الحرية وعزة النفس وبعد النظر والحركة العالمية الفعالة النشيطة بعكس الدجاجة التي أفقها خُمُّها .. ،إذ أن لهذه النماذج عند غير المخترعين والعلماء والعباقرة مفعول الأقفاص حيث نجدها تأسر في داخلها الناس وتضعهم في نطاقها المحدود.
فالباحث العربي السوري نزار غازي فريسان له الفضل والسبق العلمي في ابتكار واكتشاف وصياغة علم الاختراع والتطوير محلياً وعربياً ودولياً .
الإنسان الصنمي والإنسان المبدع:
إن الإنسان الصنمي متعصب وسلبي وبطيء الحركة ومتلبد الذهن وغير مرن ومتخلف وخائف ومستلب في حين أن الإنسان المبدع الإيجابي يمتلك وجهة نظر متغيرة حيال الأشياء، مرن ومنطلق وغير معقد وسريع الاستجابة للمتغيرات، مبتكر ومنفتح على المحيط، يتحسس أحياناً الخطر قبل وقوعه ويحسب حساباً للأشياء ويصنع المستقبل من قوة تراثه وعظمة رصده للحاضر وجودة محاكمته النقدية.
فالإنسان المبدع هو الذي يحلل ويعالج ويصيغ المنظومات الفكرية والبرامج العملية ويضع الخطط الاستراتيجية ليتغلب على التخلف الحضاري الذي هو مشكلة معقدة تمس الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكذلك الحياة الفكرية والثقافية، كما تمس العلاقات بين البلاد المتخلفة والبلاد المتقدمة .
فيبحث هذا التخلف من الزوايا الثلاث التالية :
1. التخلف كأمر واقع تنعكس مفاعلاته على كافة إمكانات المنطقة العربية يميزها بالتفكك العام، ويعرضها للاستعمار الإرهابي الكارثي الأوروبي الأمريكي وأسياده وأذنابه..، يهتك قواها ويدمر بنيانها ويسرق خيراتها ويقتل أهلها ويشرد سكانها.. ويقرر عدم أهليتها لتكوين رأس المال والتطور التكنولوجي .
2. التخلف كخطر داهم مستمر ومنتشر لارتكازه إلى نمط إنتاج استغلالي حركي يكرس الأمر الواقع المذكور، مهدداً المستقبل العربي في هذه المرحلة الحاسمة من التاريخ، مانعاً الجماهير من بلوغ أهدافها .
3. التخلف كمشكلة عميقة الجذور تحتاج إلى حلول جذرية عميقة لا تملكها إلا الجماهير العربية وطلائعها المسؤولة لاتخاذ التدابير اللازمة قبل فوات الأوان .
ويجب أن ندرك بأن التنمية العربية هي عملية يقوم بها العامل البشري العربي.
وعندما يتم إفساد وتهميش هذا العامل وهدر كرامته فليس هناك أي أمل بالتطور والتقدم، وهنا نؤكد إن أي تنمية ونهوض حضاري في المنطقة العربية الإسلامية هي هدف لعدو خارجي تاريخي إرهابي يتمثل بالغرب الرأسمالي ودويلته اللقيطة إسرائيل ولذا يجب أن تزيد البلدان العربية والإسلامية من منعتها وقوتها، وتعد ما استطاعت من كل الآليات والأساليب الحضارية والعلمية والتقنية والثقافية والصناعية والعسكرية والدبلوماسية .. بهدف رفع مستواها الحضاري الشامل لأن ( هذه المنطقة تخضع لأمر واقع خطير ينضح بالاستغلال والإرهاب والسرقة والنهب الاستعماري.. وإنها لخيانة للمنطق وللتاريخ، كما هي خيانة للعروبة والإسلام، أن يحاول بعضنا الحيلولة دون طموحات الجماهير العربية الإسلامية بالحرية والديموقراطية والتقدم الحضاري، وبما أن الإسلام ما كان له أن يعرف تقهقره لولا التقهقر العربي، كذلك فإن عودة الإسلام لتحقيق رسالته يستدعي عودة المنطقة العربية إلى صنع التاريخ، وإذا كانت هذه المنطقة سفينة، فإنه ليس لأحد منا أن يحفر في مكانه بفأسه أو يفرض بقوة من قواها.. أو حتى بفرد من الأفراد عليها المنتمين جميعاً إلى رحلة واحدة ومصير مشترك واحد ) .
إن عصر تعليم علم الاختراع والتطوير وتعميم نمط تفكير المخترع يؤدي إلى تجاوز عصور الحدودية عند البشر .
والمخترع إنسان جدي نشيط متحمس، دؤوب، عميق النظرة نظيف الفكرة غير متعصب، رقيق يتمتع بخيال مجنح، ناقد إيجابي لكل شيء باحث دائماً عن حلول، لا يقف عند حد، مرن مستنفر على الدوام، يدمج ما بين العمل والمتعة فيمارسه بسعادة ولا يشعر بتعب، يتمتع بنفس طويل، لا يتراجع، يؤمن بالعلم بلا حدود ولا يؤمن بالمستحيل ..
هناك عدد هائل من العمليات المختلفة التي يقوم بها المخترع وهو يمارس لعبة الاختراع والتطوير فهو :
يتقصى، يربط، يوظف، يبسط، ينظم، يحلل، يركب، يسخر، يتحسس، يراقب، يقيس، يبني، يتخيل، ينتقد، يقارن، يستنتج، يهجن، يفترض، يستوحي، يشك، يتحايل، يرسم، يختصر، يضيف، يصمم، يتنبأ، يعدل، يوضح، يختار، يلغي، يستبدل، يمكن، يشتق، يبرهن، يبحث، يعمم، يجمع، يصنف، يطور، يصحح، يغير، يتحقق، يسيطر، يسهل، يتسائل، يصلح، يقلل، يوفر، يخطط، يحدث، يجرب، يتعمق، يطبق، يشكل، ينفذ، ينسق، يميز، يكيف، يحل، يحصر، يدرس، يضبط، يحاور، يرصد، يتأمل، يطرح، يكشف، يبادر، يلاحظ ..
فالاختراع قد يكون وليد الصدفة أو الحاجة ولكنه بالدرجة الأولى وليد البحث العلمي المنهجي التجريبي الميداني الاستقرائي الاستنتاجي التأملي المنظم والهادف والهادئ ..
وأنا على يقين تام بإمكانية تعليم الاختراع كعلم ومنهج فالله سبحانه وتعالى قال :
{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}
(3- 5) سورة العلق
للتوسع:
1- الإبداع والاختراع (2) ، دمشق- وزارة التموين والتجارة الداخلية، الندوة الوطنية الثانية للإبداع والاختراع 25- 27 شباط 1997،علم الاختراع والتطوير، الباحث العلمي نزار غازي فريسان،ص 83- 134.
2- الحوار العربي- العربي، من أجل مشروع حضاري جديد، د. إسماعيل سفر، طبعة أولى 1999م- دار النشرPUBLISUD باريس، ص 126- 127، 45، 25، 23.
3- تكوين العقلية العلمية في القرآن الكريم، د.ناصر محي الدين ملوحي، دار الغسق للنشر، سلمية- سوريا، 1426هـ/ 2005م.
4- علم الاختراع والتطوير، د.ناصر محي الدين ملوحي، مجلة الرواد، دمشق، تصدر عن دار الآداب والعلوم للصحافة والطباعة والنشر والإنتاج الفني، اليونان - أثينا، العدد61، كانون الأول 2009، ص 28- 29.
5- أيها العقل العربي انطلق وأبدع، د.ناصر محي الدين ملوحي، المنبر العربي، دمشق، العدد 37، نيسان/ أيار 2007م، ص 26-27.
بقلم: د.ناصر محي الدين ملوحي

خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء