حِواريّتي الشعريّة هذه تحكي قصة الشاعر العباسي الملقب ب ديك الجن)وهو عبد السلام بن رغبان:
..............................................................................
والّذي ولِدَ في (حمصَ )بأرض الشام عام 161هـ اُفتُتِنَ الناسُ بشعره في العراق وهو مقيمٌ بالشام ومات بحمص عن 75 سنة. وكان متلافاً للمال شديد المجون مدمناً شربَ الخمرِ . أحبّ فتاة نصرانية لشدة الوله اسمُها (ورد)أثناء تجواله بينَ (سَلَمية) و بساتين حمص القريبة وأنشدها شعراً له
أحبّته فيه قبل أن تراه وتزوّجها وكان خلّه المقرَّبُ منه هو (بكر) وكان يحبُّ الاثنين حُبّاً جمّاً وكان له حاسِدٌ عليها هو ابن عمّه (أبو الطيّب) الّذي استَغلَّ فرصة سفر (ديك الجنّ) الى (سَلَمية) ليقابل أميرها الهاشميّ احمد بن عليّ طلباً للمال وهو صديق له فكان أنْ دبّرَ له قريبُه مكيدةً لِعجزه عن اِقناع (ورد) بالقبول به دون الشاعر فأشاع نبأ أنها عشيقةٌ خائنة وعند قدوم (ديك الجن) الى بلدته كان (أبو الطيّب) قد أقنع (بكر) بالتواجد ببيت الشاعر لِطمأنة زوجته(ورد) على حال زوجها وفي الوقت نفسه كان يستقبلُ الشاعر أثناء عودته ليُخبرَه بخيانة (ورد) له مع خلِّه الوفي(بكر) ولم يتوانَ (ديك الجن) عن اِغمادِ سيفه في صدر محبوبَيْه كليهما وبقي يرثيهما بأجمل الشعر حتّى موته.
هذه القصّة في حياة (ديك الجن) عرضْتُها بحوارية شعرية تبدأ بالشاعر وهو يشرب نبيذه وبقربِه حبيبته(ورد):
الشاعر: أَفاتِنَتي الحسناءُ هلّا أجَبْتِني.... أَيُنْقِصُ سُكْري لَهْفتي أم يُزيدُ
ورد ضاحِكةً:
أَتُضْحِكُني يا عاشقي أنتَ في الهوى.... تعِبُّ الطِّلى عبَّاً و فيه تجودُ
بقلبِكَ نبعانِ اشْتَهيْتُ كليهما....... غرامٌ وخمرٌ عنهما لا أحيدُ
اذا ما أرَقْتَ الأحمرينِ لِرؤيتي....... دَمٌ ونبيذٌ ذابَ عندي الجليدُ
الشاعر: وأَيُّ جليدٍ تدَّعيهِ فلا أرى........ سوى لَهَبٍ تُبْدي سَناهُ الخدودُ؟
بقربِكِ يزدادُ اللظى فتَرفَّقي...... فجسمي به نارٌ وسيفي حديدُ
أنا والهوى والخمرُ أَزهى توائمٍ..... وما عاشَ اِنْ ماتا بقلبي وليدُ
أُواصِلُ في الاثنينِ صُبْحاً بِمغرِبٍ.....وبينهما ما اسْتوْقَفَتني حدودُ
ورد: أيا عاشقي ولَّيْتَني عرشَ خافقٍ.... لديْكَ وفي حُكمِ العروشِ وعيدُ
وأَلبّسْتَني تاجَ الاِمارةِ بينما ....... أنـا عبْـدةٌ تأتيـكَ .. لَـمَّا تُريـدُ
أنا وخمورُ الدِّنِّ رهنُ اِشـ ارةٍ...... فتُـهْرِقُنا.. اِنّـا فِـداكَ .. نَـبـيدُ
الشاعر:
أيا وردُ هل مِن سيِّدٍ قيدُهُ الهوى.....يُقالُ له: لبيكَ نحن العبيـدُ
حَبَبْتُكِ في ذِلٍّ ولولاكِ لم أكنْ ......على شعراءِ الحبِّ جَمْعاً أَسودُ
ورد: قبِلْتُكَ لي زوجاً ولسْتَ بِمِلَّتي....... مسيحيَّةٌ لكنَّ قلبي عـنيدُ
وفي الدِّينِ يسمو الحبُّ اِنَّ مُحمَّداً......أَحَبَّ فتاةَ القِبْطِ وهو الرَّشيدُ
يدخلُ في هذه اللحظة (بكرُ) صديق الشاعر الصدوق قائلاً وهو يبتسم:
سلامٌ على الزَّوجينِ عبدَ وورده....... حَذارِ فانَّ الناسَ فيهم حسـودُ
الشاعر ضاحكاً:
صديقي أنا اِنْ تحسِدِ الناسُ ما أرى...... نجومَ العُلا يُخْفي سَناها حسودُ
يغادرُ (بكر) ويُباغتُ الشاعر (ديك الجنّ) زوجته بخبر لا يسرُّها:
أُسِرُّ اليكِ اليوم يا وردُ بالّذي ........ بَراني فَمَنْ من دونِ مالٍ شَريدُ
وبي ضَنَكٌ في العيشِ فالجيْبُ فارغٌ...... وخمري ومالي منهما أَسْتفيدُ
(سَلَمْيَةُ) قصدي حيث أَلْقى أَميرَها ...... واِنَّ لَجَيْبي في حِماهُ سَعيدُ
يرحل الشاعر في طلب الرزق . وتدور دائرة الشّر فها هو قريبُه (أبو الطّيب) يستغلُّ غيابه
وأَوْغَرَ شيطانُ الأنام لِحاسدٍ........ قريبٍ فأورى النارَ وهو حقودُ
ودّكَّ حصونَ الزّوجِ حين غيابِهِ......... وراوَغَ أنثى الدِّيكِ وهو بعيدُ
وأَعياهُ منها عِـفَّةٌ و تَمـنُّعٌ .......... فاِذْ هو في مسعاهُ ساعٍ طريدُ
فأَضْمَرَ سوءاً واصطلى فيه مارِجٌ...... وأَضرَمَ نيراناً فشبَّ وقـودُ
الزوج (ديك الجن) يصل لمشارف (حمص) ويجد شيطان الانس باستقباله وهو قريبه(أبو الطيب) ويتظاهر بالبهجة بعودة الشاعر ليُخبره قائلاً:
أيا مرحباً بالعائد اليوم مرحبا ....... قدُومُكَ لولا ما يُقالُ مجيدُ
الشاعر وقد اكفهرَّ وجهُه:
أَخطبٌ جرى ؟ ماذا أَلمَّ بوردتي؟........ فلا أينعَتْ من بعدِ وردَ ورودُ
قريب الشاعر:
رويدكَ اِنْ تَرْتَبْ بوردَ فَعُذرُها......... بُعادُكَ و الأزواجٌ للوهمِ قُـوْدُ
فَراوَدَها عن نفسِها(بكرُ)آخِذاً........ بِخافِقِها وهو العصيُّ الكديدُ
الشاعر محتقناً بشدّةٍ:
أَحقّاً تخونُ الوردُ ويلي أنا اِذاً ........ زرعتُ هباءً ليس فيه حصيدُ
لَئِنْ يَكُ هذا القولُ فيه ظلامَةٌ...... لَأُصْليكَ موتاً عشرةً و أُعيدُ
فاِنْ هي خانت فالذِّئابُ اذا ارْتَدَتْ......... ثيابَ خِرافٍ بالطِّباعِ تعودُ
ويا أَسفَ الدُّنيا اذا امْتَلأتْ بهم....... فيغدو أَناشيداً عِواءٌ مـديدُ
يُسارِعُ الشاعر في خطواته ودمُه يفورُ كبركان وهو بين مصدّق ومكذِب لِيرى زوجته المشتاقة ولكن بجوارها صديقه الصدوق(بكر) يُحادثها فأعمتْه الغيرة واسْتَلَّ سيفَه لِيصرع به حبيبَيْه (زوجته وصديقه) ولَمّا رأى دماءهما صرخ قائلاً:
أَيا حسْرةً أَلْقَتْ عليَّ بِحِملِها........ وناءَ بها ما عشْتُ قلبي الجحودُ
فَقَأْتُ بسيفي مُقلتَيَّ وأُهرِقَتْ ....... دمائي وهل في الجدبِ يحيا الوريدُ؟
يُدفنان فيفترِشُ الشاعر ثراهما وأمامه كأسُ خمرته ينادمها ويستمرُ على هذا الحال سنيناً حتّى يُصيبُه الوهن والمرض ويأتيه الرجل الّذي كان سبب بلائه لِيُخبره الحقيقة المُرّة فيزدادُ معها غمَّةً وحزناً ويشرب الخمر بكأسٍ يذُرُّ عليها تراباً مرّةً من ثرى زوجته ومرّةً من ثرى صديقه وكأن لسان حاله يقول:
وهل في ثرى الأحبابِ رائحةٌ لهم.....عسى ينجلي في الخمرِ وهمُ سديدُ
فأحيا بوهمي لا أموتُ بواقعي....... وفي الخمرِ وهمٌ كـلِّ حينٍ جديدُ
وقد كان أَشْقاني بقتل أحبّتي........ وفيـه أَراهـم حـيثُ انّـي قّعيدُ
فخمري وذكرى الصاحبينِ كفايتي....... وسُهدي هنا والميِّتونَ رُقـودُ
حبيبايَ تحتي يرْقُباني وانني ........ أبُثُّهما شـكوى الأسـى فأَجودُ
هما ارتَحَلا عنّي معـاً غير أنّني ...... مُـقيمٌ بـدارِ الظـالـمين وحـيـدُ
فيا خالِقي أَسْكِنْـهما جنّــةَ المُنى......واِنّ لِِروحي فــي الجحيمِ خـمودُ
ويشفي اذا صار النعيمُ مقامَهم.........غليلي وتُحييني بقبري السُّعودُ
سأبكي كصدَّاحِ الحمامِ ندامتي......... فهذي الـرزايا مـا لَهُنَّ عـديـدُ
فاِنْ جفَّ دمعي أَخلُطِ الدَّمَ خمرةً........لِيَقطُرَ مني فهو عندي جسيدَ
شرح المفردات: الطِّلى(ما لذَّ من الشراب)
كَديدُ: (الأرض الغليظة الخشنة)
جسيدُ: (الدم اليابس )
( ديواني( طائر الأيك) 14_9_2014)
حسان الساروت
-

خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء