القبرات الثلاث
(الجزء الاول)
قصة لليافعين
في الغابة الصغيرة كانت ثلاث قبرات تتحدثن عن الأيام القادمة وعما سيفعلنه في الغد، فقالت القبرة الطويلة: "غداً سأبحث عن خطيب فقد أصبحت كبيرة وآن لي أن أقترن بطائر مثلي".
أما القبرة الثانية وهي قبرة سمينة فقالت "أنا سأبحث عن طعام لذيذ، وليتني أعثر على الديدان الصفراء فإن طعمها رائع".
وجاء دور القبرة الثالثة وكانت أصغرهن حجماً وأكثرهن جمالاً فقالت "أما أنا سأبحث عن معلم يعلمني الحكمة في الحياة".
وفي صباح اليوم التالي انطلقت القبرات الثلاث في سماء الغابة وطارت الثلاثة لساعات طويلة.
وعند منتصف الرحلة عثرت القبرة البدينة على ديدان بنية اللون فرفضت تناولها لأنها ليست بطعم الديدان الصفراء، فقالت القبرة الصغيرة : "أما أنا فأرضى بها" وتناولتها بسعادة
--"لكنك قلتِ أنكِ تبتغين الحكمة وليس الديدان" سألت البدينة باستغراب
--"من الحكمة ألا نرمي نعمة الله" ردت القبرة الصغيرة بثقة
ثم تابعت القبرات الثلاث طيرانها لساعات أخرى حتى وصلن إلى أطراف الغابة، فصادفن طائراً شاباً راح يتقرب منهن، فهمست القبرة البدينة إلى القبرة الطويلة: "أنظري إلى هذا الطائر الشاب، كم هو وسيم، لابد وأنه يرغب بالزواج بواحدة منّا، لما لا تنظري إليه".
فردت القبرة على الفور: "أنه ليس وسيماً كفاية، لا تلتفتي نحوه، دعينا نتجاهله".
عندها قالت القبرة الصغيرة : "إن كنت لا ترغبين به قريناً لكِ فأنا أرضى به، بعد أن أجربه".
--"ألم تقولي أنك ستبحثين عن معلم لتتعلمي الحكمة" سألت القبرة الطويلة وهي تشعر بالغيظ
-- "بلى لكن الحكمة تقتضي أيضاً بأن تقترن الأنثى بالطائر المناسب بعد أن تصل سن التزاوج" ردت القبرة بهدوء.
-- "إذن، خذيه أنتِ" قالت الطويلة بتعجرف فردت الصغيرة: "لن آخذه قبل أن أجربه"
وهنا أقترب الطائر الشاب من القبرات الثلاث وقال : "إلى أين أيتها القبرات؟"
سكتت القبرات ولم تجبن على السؤال ثم أجابت صغيرة الحجم ً: "كنّا في رحلة طولة ، حتى صادفناك ، إلى أين تمضي أنت"
--" حقيقة، منذ أشهر طويلة غادرت حقلنا بحثاً عن رفيقة دربي، لكنني لم أعثر عليها حتى الآن".
-- " وما هي الصفات التي تتمناها" قالت القبرة الصغيرة مبتسمة
-- " أريدها متواضعة غير مغرورة مثلكِ تقريباً، ونشطة يمكنها القفز بين الأغصان برشاقة مثلكِ أيضاً، وأريدها جميلة مثلكِ تماماً"
ضحكت القُبرة ثم قالت: " وأنت هل تتقن الصيد، وهل بإمكانك العثور على ديدان لذيذة وثمار طيبة".
--" بالطبع، هذا أسهل شيء يمكن أن أقوم به" قال الطير بحماس وثقة فقالت القٌبرة".
--" إذن دعنا نجرب، هلا أحضرت لنا لوسمحت كمية كافية من الديدان الصفراء".
شعر الطير بالاضطراب ثم سألها مرتبكاً: " الآن تريدينها" فأجابته بصرامة: "نعم، الآن"
وبعد لحظة تردد انطلق الطير محلقاً بسرعة وقوة فأنبهرت القبرات من سرعته، وقالت القبرة الطويلة لنفسها: " ليتني تقربتُ منه، فهذا الطير نشيط ووسيم أيضاً، يا لي من غبية".
أما القبرة السمينة فقالت في سرها: " ما أروع الديدان التي سيحضرها، لا بد وأنه طير كريم ولن يبخل عليّ ببعض الديدان الشهية ليتني تقربتُ منه أنا".
وراحت القٌبرات الثلاث ينتظرن الطائر الشاب لكنه لم يحضر، ومضت ساعات طويلة حتى ملّت القبرة الصغيرة وقالت: "ماذا بعد أيتها القبرات؟ هل سننتظره إلى الأبد؟ لابد وأنه طائر طائش يريد أن يتسلى، لقد تظاهر بالنشاط ليخدعنا".
--" لماذا تفكرين بسوء نية، الغائب عذره معه" ردّت الطويلة باحتجاج
-- " لابد وأن يحضر في النهاية الديدان الشهية التي وعد بها، أنا من جهتي سأنتظره ولو غاب عاماً كاملاً".
فردت القٌبرة الصغيرة: "هذا الجنون، خير لنا أن نتابع رحلتنا من أن ننتظره فنضيع أثمن شيء في الوجود وهو الوقت".
--" نحن سننتظره" قالت القٌبرتان بصوت واحد فأجابت الصغيرة:
" إذن، الوداع، أنا سأتابع رحلتي للبحث عن معلم" ثم طارت مسرعة نحو الأفق البعيد.
واستمرت القبرة في رحلتها الطويلة لأيام عديدة، ورغم التعب الذي كان يعتريها إلا أنها كانت سعيدة برؤية المروج والأشجار المكسوة بأصناف رائعة من الورود والأزهار لأن الفصل كان ربيعاً، وكانت حينما يحل الظلام تلجأ إلى شجرة كبيرة آمنة فتنام عليها إلى جوار طيور ناعسة أخرى.
وما أن تشرق الشمس حتى تستأنف رحلتها فتتابع طيرانها بنشاط. وكلما كانت تصادف طيراً أو حيواناً أليفاً سألته عن معلم حكيم يعينها على فهم الحياة. لكن الجواب كان واحداً تقريباً وهو: "المعلمون قلة على هذه الأرض، أما الأساتذة والمدّعون فهم كثر جداً، لكنهم لا يملكون الحكمة التي تبحثين عنها".
إلا أن القبرة باجتهادها وصبرها أهتدت إلى معلم قيل لها أنه الكائن الوحيد الذي يقطن في مرتفعات الجبل الأبيض وهو جبل كبير يبقى مكسواً بالثلوج طوال العام تقريباً بسبب البرودة، وكان عليها أن تطير لأسابيع طويلة حتى تصل إليه. وبالفعل استمرت بالطيران رغم أن كثيرين نصحوها بان تعدل عن الفكرة، وأن تبحث عن الديدان أو عن طير عريس للتزاوج بدلاً من أن تبحث عن الحكمة، لكنها بقيت مٌصرة على هدفها متحملة مشاق الرحلة الطويلة والرياح القاسية إلى أن وصلت أخيراً إلى مرتفعات الجبل الأبيض.
ورغم أن الفصل كان ربيعاً إلا أن الثلج كان لا يزال يغطي قمة الجبل وسفوحه بسبب ارتفاعه الكبير، فشعرت بالبرد الشديد لكنها راحت تبحث عنه إلا أنها لم تعثر على أحد.
وفجأة رأت ....
(يتبع)
تأليف : علي حسين الحموي
رسوم : أيهم رستم


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء