التعصّب والوثنيّة - وجهان لعملة واحدة
بعد الحديث عن مقوّمات التعصّب وسمات الشخصيّة المتعصّبة، مقارنة بالالتزام والشخصيّة الملتزمة؛ يمكن الحديث عن مخاطر هذه الآفة الخطيرة، علما، بأنّها عديدة على الصعيدين النفسي والاجتماعي.
ومايجدر الحديث عنه أولا، الأخطار النفسية بالتأكيد، وعلى رأسها على مايفتك بأسمى النزعات الوجدانية الفطرية في الإنسان، ونقصد بذلك، ارتباط الإنسان باللامحدود؛ ذلك الإيمان الكامن في خلده وفطرته؛ المتجلّي في تعلّقه بمبدأ الوجود والحياة، وبقدرته اللامتناهية... أي تعلّقه باللّه عز وجل.
وليس الحديث عن ارتباطنا بالمطلق، من فرط الغلوّ، أو زخرف الكلام... وإنما هو حقيقة راسخة، يثبتها سعي الإنسان العملي الدائم نحو الكمال، وشغفه به. ولهذه المسألة دراسات وأبحاث مستقلّة، الحديث عنها هنا استطراد، يأباه المقام وأساسيّات البحث العلمي.
طالما أنّ الإنسان ،كما هو معروف، يعيش صراعا دائما بين تسويلات الغرائز والأهواء، والتي تمتزج بضغط ظروف الحياة وصعوباتها، من جهة، وبين أفق اللامحدود الروحي والمعنوي، من جهة أخرى؛ فإنّه كثيرا ما يتوه في خضمّ هذا الصراع، ويخطئ الطريق، لدرجة أنّ ذلك الشوق والرغبة والميل، يتعلّق ،خطأ، بالمحدود، فيظنّ أنه الكمال الذي ينشده، وأنّه الذي امتلأ كيانه شغفا به. فيصطنع لنفسه ،حينئذ، (مثلا أعلى) محدودا، دون أن يشعر بمحدوديّته وخطر الارتباط به!
ههنا، يضطّر الإنسان إلى الاعتماد على قوة أخرى ،سوى العقل والمحاكمة المنطقية، للدفاع عن كماله الموهوم! فلن يجد نفعا الاستدلال والبرهان، لإثبات ما يتعارض مع الواقع ويتنكّر للحقيقة. ولهذا لا يجد الواهم سوى العاطفة ملجأ للحفاظ على ما يحبّ. لتبدأ ،بذلك، مسيرة الانغلاق والانحدار في ظلمات سجن الذات وأنايّتها! ولتنسدّ آفاق الإنسانيّة الرحبة الممتدّة، التي فطر الإنسان عليها.
بقليل من التأمّل، ندرك أن التعصّب والانغلاق ليس سوى وجه آخر للوثنية؛ ففي الوقت الذي ينطلق الإنسان نحو الكمال المطلق، ليرسم طريق مسيرة التكريم الإلهيّ؛ يقف التشدّد وضيق الخيارات، حائلا أمام التقدم، والانفتاح على فيوضات الله ورحمته.
وإذا ما راجعنا المعنى اللغوي للوثن - الوثنيّة - الأوثان... وجدنا أن المعنى الأساس الذي يتمحور حوله جذر هذه المفردات، هو (الوقوف والثبات)، وهو لا يعني إلا الجمود والانغلاق في نهاية المطاف! من هنا، نتفّهم دعوة الله لنا، لتمتين علاقتنا به، وتجنّب ماسواه، وما قد تسوّقه لنا أنفسنا وأهواؤنا. فليس المسألة ،في هذه الدعوة، مسألة نزوة تسلّط! أو حبّ للملك! أو شهوة للهيمنة! كما يظنّ بعض المتسرّعين في محاكمة ظاهرة التديّن في العمق! إنما هو المصير الوجودي، لننفتح على قيم الكمال التي زرعت في جبلّتنا؛ عشقا صوفيّا، وشغفا، وحنينا لا يهن ولا يذوي، وإن أخطأنا في تشخيص مآلاته.
وبالمناسبة، هناك الكثير من الذين ينتمون إلى عقيدة التوحيد نظريّا، ويحسبون على الإيمان، لكنّهم، قد لا يتذوّقونه وجدانا، ولا يعيشونه سلوكا وحركة! وذلك لأنّهم انطلقوا ،في إيمانهم، من تصوّرهم الضيّق لله جلّ وعلا... لا من كمال الله وصفاته الواقعيّة! وبتعبير آخر: بدلا من بناء العلاقة على الانفتاح على صفات الخالق المتجلّية في الكون، والاستزادة من معينها؛ يظنّ هؤلاء ،وبغعل عوامل عديدة، أن ما يعيشونه من نكوص الأنا، يمثّل الغاية والمنتهى {أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه}! علما، بأنّ هذا النموذج من الناس، لايختلف عن أولئك الذين تمسّكوا ،منذ البداية، بأهداف محدودة وخيارات متهافتة، بعيدا عن الإيمان وإعلان الانتماء إلى مدرسته؛ لأن كلّا من الطرفين، يعيش الضيق والظلمة نفسها، على حدّ سواء. غاية الأمر أنّ العناوين والطقوس تختلف.
فالتعصّب ،إذن، ليس إلا تعلّقا بالمحدود، وضيقا في الأفق، وحرمانا من فيض الرحمة والعطاء الإلهيّين المتجلّيان في الوجود.
إنه تعبير عن الوقوف والجمود، الذي تأباه طبيعة الإنسان ومقوّماتها... وقهر لتوثّب الروح وشهودها العرفاني، المنفتح الآفاق.
باختصار، التعصّب ليس إلا سحقا للإنسان وتكامله.
فأيّ إنسانية تلك التي سنعيشها مع هذه الآفة القاتلة؟!
جمال صالح جزّان


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء