اضطراب منهجيّة قراءة النص، بفعل عقليّة التعصّب.
بعد المرور على خصائص الشخصية المتشدّدة، وبيان الارتباط بين الوثنية والتعصّب؛ يصل بنا الكلام عن دور هذه الآفة في تحريف مداليل النصّ الديني، وتسخير قداسته لخدمة عقلية الاقصاء والاختزال التي تقوم عليها العصبية. علما بأنّ هذا الدور تجلى في أخطار وثغرات عديدة، إلا أن أخطرها كان التأسيس لمنهجيّة مضطربة، في قراءة النصوص، أورثتنا العديد من الأزمات، وعلى رأسها ما يتعلّق بالفكر وتشكيل العقل. وأهم مايمكن الحديث عنه في هذا الصدد؛ أمران أساسيّان:
أولا: اقتطاع النصوص عن سياقاتها:
من المعلوم أنه بعد التسليم بالقداسة للكتب السماوية، وعلى رأسها القرآن الكريم؛ نجدها تنبع من علم الله المحيط، وقدرته المطلقة... وهذا مايجعل النصّ غنيّا شاملا في أبعاده؛ الإيمانية، والفكرية، والأخلاقية، والتشريعيّة، والتاريخية. والتي تمتدّ ،بدورها، إلى المجالات الإنسانية كافّة؛ النفسيّة، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسيّة... ولهذا، فإن النصّ كلّ مترابط، تتجلّى في مكوناته وعناصره، تلك الابعاد كافّة، بصورة لا يمكن معها القطيعة والفصل. فالتشريعي ،مثلا،ّ لا ينفكّ عن العقدي والأخلاقي التربويّ... وهكذا.
ومن الملاحظ، بعد الاطّلاع على هذه المعادلة، أنّ أيّ اجتزاء أو اقتطاع يتعرّض له النصّ، سيفقدنا المراد والمقصود منه؛ لأنّ السياق ،له بدون أدنى شك، دور أساس في استجلاء المعنى الواقعي للنصّ والمراد منه.
إنّ عقل التعصّب، وبحكم كونه ذا طبيعة اختزالية إقصائيّة ضيّقة، تحجب صاحبها عن آفاق ما يواجهه في الحياة عامّة؛ لابدّ وأنّه ساهم بقوّة ،مع غيره من العوامل طبعا، في التأسيس للقراءة التجزيئية للنصوص، وراقه الدور الهدّام لهذه القراءة، في اقتطاع النصوص عن ارتباطاتها وسياقاتها الموضوعية، فيرضي بذلك شعوره الديني ويسقط عنه عبء التكليف الإلهي ، من جهة. ويرضي شغفه الداخلي بالذاتية والإقصاء من جهة أخرى. ليعيش العقل المنتمي إلى هذه المنظومة، على إثر ذلك للأسف، بعيدا عن مقاصد التشريع، وغايات الرسالة الإلهية العليا ،المسخّرة أساسا، لخدمة الإنسان، ورسم المنهج التكامليّ لحياته.
وكما ساهم التعصّب في تأسيس هذا المنهج، لاشكّ أنّه حرص ،كل الحرص، على بقائه وتكريسه. لا بل يمكن القول، إنّه خلق مزاجا عامّا تجلّى في العقل الجمعي، يميل إلى هذا المنهج ويتبنّاه؛ الأمر الذي أدّى إلى تجذّره وامتداده تاريخيّا، وصولا إلى زماننا الحاضر. فقد أكّدت الدراسات التحليليّة النقدية الوازنة، ابتلاء العمل التفسيري وعمليات الاستنباط الاجتهادي... بمنهجيّة تجزيئية، تفاوتت في حدّتها وتأثيرها، بين مدرسة وأخرى، وكانت من أخطر ما واجه النصوص الدينية، ولاسيما القرآن الكريم، عندما بترت آياته، وعزلتها عن السياق العام، والفضاءات الإلهية - الإنسانيّة الرحبة. وكان من تداعيات ذلك ،فضلا عن التحريف المعنوي والدلالتي للنصّ؛ حرمان المجتمع من النظريّات القرآنية المتكاملة والشاملة، باعتبارها تعتمد ،في اكتشافها، على حشد نصوص عدّة، تتّصل بالموضوع الذي تناقشه النظريّة. الأمر الذي أدّى إلى غياب الأطر والأسس التي تتقوّم بها النظم (الاجتماعي، الاقتصادي، السياسي، الحقوقي، التربوي...)، وبالتالي، ترك ساحة الواقع فريسة للارتجال، وردّات الفعل الإسعافية، الانفعالية، المتخبّطة.
وللحديث بقيّة...
جمال صالح جزان


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء