البوصلة الحائرة
إضاءات
التأثير الإعلامي قد تنامى في السنوات الأخيرة حتى بات يصل إلى كل الناس.. أما أكثر الشخصيات المعاصرة المؤثرة في عالمنا اليوم فهم نجوم التمثيل، والغناء. فإذا ما صرح أحدهم بتصريح ما تناقلته كل وسائل الإعلام من المقروء إلى المسموع، والمرئي..
وقد يكون لبعضهم مواقف مكلفة إلى حد بلوغ مليارات الدولارات كما حصل مع موقع (سناب شات) عندما انصرف عنه مشاهير النجوم لينصرف عنه بالتالي جموع المتابعين لهم، وكأن قرارات هؤلاء المشاهير أو تعليقاتهم حول أي من المواقع الإلكترونية أو غيرها هي مما لا يقبل التفكير، أو النقاش فما بالك بالتمرد على تلك القرارات، وعدم الاقتداء بها؟ إذ كان يكفي لواحدة من نجوم الغناء في الغرب تصريحها بأن هذا الموقع قد أصبح (موضة) قديمة، وأن هناك ما هو أفضل منه ليقوم الآلاف من رواد الموقع بإلغاء صفحاتهم عليه، وليتسببوا له بما فعلوه بخسارة فادحة.
كذلك المظهر، وقصات الشعر، وعمليات التجميل، وآخر صيحات الأزياء فقد غدت قاموس العصر الذي لا يتردد أحد أن يفتحه لينهل من معينه.. وكل ذلك أيضاً مما يفتح له الإعلام ساحاته العريضة للترويج له. هذا عدا الأبراج، وتفسير الأحلام حتى إذا ما حلم أحد بحلم هرع إلى الاتصال بإحدى القنوات التي أخذت على عاتقها مهمة تفسير الأحلام ليفصح مفسر الأحلام عما خفي على الحالم من معانٍ ينطوي عليها حلمه، فيطمئن قلبه بما يحصل عليه من جواب، ودون أن يكلف نفسه عناء تفسير حلمه بنفسه وفقا لرموزه، ولماضيه الذي يعيه جيداً. فهل هو الخلاص الذي يبحث عنه عبر القنوات التلفزيونية، ليعيش بعد ذلك بردود الأفعال بناءً على سمعه من تفسير أو تحليل؟.. علماً بأن الأحلام هي انعكاس لواقع معاش، ورموزها تكشف عنها ببساطة ذلك لأنها من نتاج هذا الواقع.
أما متع الناس فقد أصبحت حسية فقط، إذ لم تعد هناك من متع فكرية، أو روحية يبحثون عنها لتستحوذ على اهتمامهم بالقدر الذي تستحوذ عليه حفلات الغناء التي يُقبل عليها الجمهور بكثافة فائقة لتنفذ بطاقات حضورها بسرعة البرق، ولتصبح لها أسواقها السوداء.. وجمهورها مستعد لأن يهدر يومه بكامله للحصول على بطاقة الدخول رغم أثمانها المرتفعة غالباً، وإذا ما كان أحدهم من المعجبين بهذا الفنان أو ذاك فقد يهدر أيضاً وقتاً أكبر في انتظار المطرب حتى يصل مطار البلد الذي يستضيف حفله الغنائي ليرافقه، أو ليتطفل عليه حتى مكان إقامته.. في الوقت الذي يتخفى فيه المطرب من معجبيه وراء قبعة، ونظارة شمسية تخفي ملامح وجهه، بينما الحراس الشخصيون يحيطون به لحمايته لأن صوته أهم من عبقرية (أينشتاين)، وأغلى من فكر (طه حسين)، و(هيرماس هيسه) وأقرانهما.. وتسألونني لماذا أضرب مثلاً تلك الأسماء فأقول لأنه لم يأت بعد إلا القليل ممن يوازيها، أو يتفوق عليها.. وما يلوح في الأفق، بعد أن استهلكنا الإعلام ومن ورائه الإعلان، لا يبشر كثيراً طالما أن معاييرنا للبهجة ومتع الحياة، وأحلامنا أيضاً جميعها أصبحت تنتهي عند الطعام، والشراب، والأزياء، والرقص، والغناء، والحلم بالشهرة السريعة ولو كانت مزيفة، ولو كان طالبها لا يتمتع بالموهبة الكافية، إنما هي الشهرة لمجرد الشهرة حتى إذا كانت بفضيحة، أو كان ما يدّعونه كذباً ودجلاً، إنما المهم هو أن يُعرف أحدهم، أو إحداهن من قبل أكبر عدد من الناس. ومنصات التواصل الاجتماعي فتحت لهم فضاءاتها، ومنابرها ليصلوا من خلالها إلى أوهام الشهرة، لا الشهرة الحقيقية التي تدوم كأمثال الأسماء الكبيرة للمبدعين في الشرق والغرب، بل هي شهرة فقاعات الصابون التي سرعان ما تنفجر عندما تحاول أن تتمدد في حجمها بأكثر ما تسمح به كمية المادة التي صنعتها.
فإلى أي حد من تسطيح الفكر نتجه عندما لا نؤخذ إلا بمظاهر الأشياء، ومظاهر الأشخاص، والأحداث ولا نبحث عن جوهر المعنى من الحياة؟ إلى أين ستصل بنا الدنيا إذا كانت رغائبنا وتطلعاتنا لا تتجاوز متعة الحواس، ولا تذهب إلى ما هو أبعد منها؟.. لا شك أنها طريق طويلة هي طريق العودة من السطحية باتجاه ما هو أكثر عمقاً.. إلا أنها قائمة لمن يبحث عنها دون أن ينظر في بوصلة حائرة فقدت قدرتها على تحديد الاتجاه الصحيح.
لينـا كيــلاني


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء