مدخل الى فلسفة الفردانية : موسيقى الحرية
ان احد اوجه التمايز بين المجتمعات المتقدمة والمتخلفة هي ان الاولى تعمل على تعزيز الفردانية وتخضع الكلية الاجتماعية لمصلحة الفرد بينما الثانية تعمل على استنساخ الافراد واخضاعهم للكلية الاجتماعية السائدة .. وقد نقل لي أحد الأصدقاء إن سمو الإمام اصدر توجيهاته بالاهتمام بالفردانية ولدى أستقراء أراء البعض تضح الجهل الشبة تام بهذا المفهوم وكان دافعا لتعريف بها
تعريف بالفردانية وبداياتها كفلسفة ليبرالية:
يقول الأستاذ الدكتور علي وطفة في محاولته لتعريف مفهوم الفردانية: “ترمز الفردانية إلى واقع اجتماعي وثقافي يستطيع فيه الناس، بوصفهم أفرادًا، اختيار طريقة حياتهم وسلوكهم وممارسة عقائدهم، كما ترمز إلى مجتمع يضمن فيه النظام الاجتماعي والقضائي حماية حقوق الناس بوصفهم أفرادًا غير مكرهين على التضحية أو التنازل عن شيء يعتقدون به”، والفردانية لا تعني الأنوية والنرجسية وغيرها من صور الذاتية حيث يكمن موطن الاختلاف – كما يؤكد د.علي وطفة – بين الفردانية والذاتية في أن الأخيرة تتجلى في اللحظة التي يرى فيها الفرد أنه محور الوجود ومركز الكون استجابة لنزعة أنانية سافرة ناضحة بالنرجسية، بينما لا تستلزم الفردانية سوى اتخاذ موقف معين من قضية ما أو مجموعة قضايا عن معرفة ووعي بأبعاد ذلك الموقف.
لا تتضح معالم الأفكار إلا بعرض نقيضها “فبضدّها تتبين الأشياء”، والفردانية تقع على النقيض من كل الفلسفات ذات البعد الجماعي سواء كانت نخبوية أو شعبوية؛ كالثيوقراطية والفاشية والشيوعية والاشتراكية وغيرها من الأيدولوجيات الشمولية، فهي ترفض مصادرة الإرادة الحرة للأفراد وتكبيل المجتمع بدعوى تحقيق العدالة الاجتماعية
واقع الفردانية في العالم العربي :
وفيما يتعلق بواقع الفردانية في العالم العربي؛ فيشير صاحب كتاب (مأزق الفرد في الشرق الأوسط) أن غياب مفهوم الفردانية – سياسيًا وثقافيًا – عن مواطني بلدان العالم العربي أسهم بصورة رئيسية في تعثر مشروع الحداثة، فالإنسان العربي ما زال خاضعًا لإملاءات الجماعة بتجلياتها المختلفة ابتداءً بالعائلة ومرورًا بالقبيلة وانتهاءً بالطائفة أو الحزب، وإذا حصل تعارض بين مصلحة الفرد ومصالح تلك الجماعات فإن الثقافة العربية لا تدخر جهدًا في حسم النزاع لصالح الجماعة وقمع الفرد.
وهشاشة مبدأ المواطنة في دول العالم العربي مقارنة بالدول الغربية يرجع سببها إلى دخول هذه الكيانات الجماعية على خط علاقة الفرد مع الدولة، فلا تغدو تلك العلاقة “خطية واضحة المعالم” بل تتأثر بالخارطة الاجتماعية التي تتحكم بها تلك الجماعات، ونظرًا لوجود علاقة طردية بين تطور مفهوم الفردانية في الغرب وقوة الدولة وازدهارها الاقتصادي الذي يتيح للمواطنين هامش خيارات أكثر للتحرر من الولاءات الاجتماعية الضيقة؛ فليست هناك فرصة حقيقية – حسب رؤية صاحب الكتاب – لإنجاز تنمية اقتصادية أو تحقيق رفاه اجتماعي في أي بلد لا يعترف بحقوق الأفراد، الأمر الذي ينسحب على جميع البلدان العربية.
رسوخ البنية التقليدية في الوعي الجمعي لشعوب المجتمعات العربية ملمح آخر للتعثر في عملية انبثاق الفرد الحر، يقول المفكر المغربي محمد سبيلا: “لاشك أن انخراط مجتمع من المجتمعات في سيرورة الحداثة والتحديث لا يقوم فقط في استعماله للآلات التقنية وفي اقتباسه لبعض مظاهر الحداثة السياسية، بل في توافر دينامية داخلية عميقة تتمثل في اعتمال البنيات الاجتماعية والثقافية لتيسير عملية انبثاق الفرد الحر الفاعل، وانتفاء أو تباطؤ هذا الشرط يجعل عملية “التحديث” تفتقد أساسها الاجتماعي العميق ويجعلها مجرد تحول سطحي قابل للارتداد”.
مروان وردة


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء