pregnancy

نصيب العرب من حضارة العالم




نصيب العرب من حضارة العالم .

نشأت الحضارة العربية في الأقاليم المتوسطة بين القارات الثلاث منذ نيف وأربعين قرنا في زمن لا تعرف الآن بداءته علي وجه التحقيق .

كانت الأمة العربية تقيم أو تترحل بين شبه الجزيرة العربية ووادي النهرين وبادية الشام ومغاني النبط ولا تسمي باسمها الذي اشتهر علي الخصوص بعد ظهور الدعوة الإسلامية ولكنها هي الأمة العربية في أصولها وسماتها وإن لم يكن لها اسمها الحديث لأن الأسماء تولد عادة بعد مولد صاحبها بزمن يقصر أو يطول .

وأصح اعتباره نلاحظه في النظر إلي نصيب العرب من حضارة العالم هو هذا الاعتبار الذي يعود بنا إلي الأصول العريقة منذ أقدم العهود التاريخية لأنه يميز لنا العرب يأصولهم ولغتهم وأمزجتهم وأطوارهم قبل أن يميزهم الاسم المصطلح عليه فيما بينهم وبين الأمم التي تجاورهم لأن تاريخهم في الوجود أسبق من تاريخ المتكلمين عنهم بمختلف الأسماء .وعلي هذا الاعتبار يتسع أمامنا أثر العرب في حضارة العالم غاية اتساعه المشروع ويكاد يشمل الكرة الأرضية من جملة أطرافها المعمورة بغير استثناء .

ولا حاجه هنا إلي الأحصاء الطويل لبيان المراجع والأسانيد فإن حركة من حركاتنا اليومية كلما بدأنا أعمالنا في يوم من الأيام تعود بنا إلي أثر الحضارة العربية قبل ألوف السنين ونعني بها حركة اليد التي ترفع ورقة التقويم كل مطلع شمس عن نهار جديد فإنها تتحرك باتجاه الحضارات العربية التي قسمت الأيام إلي أسابيع وقسمت الأسبوع الواحد علي مطالع الكواكب من الشمس إلي الزهرة إلي الكوكب السابع زحل -أرفع الكواكب في المدار-وقد فعلت ذلك منذ أربعين قرنا أو تزيد ،ومن الظواهر العجيبة في بناء الحضارات أن الأمم الغربية هي التي تحتفظ اليوم بهذا الأثر في تسمية أيام الأسبوع دون الأمم الشرقية ،وقلما يفهم الأوروبيون في عصرنا أنهم يروون أقوال العرب الأقدمين حين يسمون "الأربعاء" بيوم "عطارد" ،والخميس "بيوم "المشتري " ،ويوم "الجمعة" بيوم الزهرة ،ويسمون يوم "السبت " بيوم "زحل " ويجعلونه في نهاية المطاف .

علي أن الحضارة العربية قد ساهمت بنصيب أوفي جدا من هذا النصيب في التاريخ الإنساني بعد ظهور الدعوة الإسلامية ولا حاجه هنا أيضا إلي الإسهاب في بيان المراجع والأسانيد لأننا قدنستغني عنها ببضع كلمات عربية ما زالت في لغات العرب متكررة مترددة حتي اليوم وقد تغني دلالتها عن دلالة الشروح المطولة لأنها تدل علي تغلغل الحضارة العربية في شئون المعيشة اليومية التي تلازم المرء في داره وفي موطن عمله كما تلازمه في جده ولهوه .

فكم بلغ من شيوع الحضارة العربية في معيشة القوم قبل أن يأخذوا من العرب كلمة "القميص" بحروفها ،وكم بلغ من شيوع تلك الحضارة قبل أن يعرفوا الحرير الدمشقي والحرير الموصلي والحرير الغزي بأسماء غزه ودمشق والموصل ؟وكم بلغ من شيوعها قبل أن يسموا العود والنقارة والربابة والمفتاح أو الأقليد بأسمائها العربية المصحفة ؟وكم بلغ من شيوعها قبل أن يسموا القهوة باسمها في لغة الضاد؟

لا ريب أن شيوع تلك الكلمات المعيشية يدل علي أثر أوسع من ذلك الأثر بكثير ،لأنه يمتد إلي العالم والجاهل وإلي المدرسة والبيت وإلي ضرورات الكساء والغذاء وأفانين اللهو واللعب وليس وراء ذلك من أمد تنتهي أشواط الحضارة إليه .

إلا أن الحروف والأرقام القليلة تغني هنا أيضا فوق غناء الأسفار والشروح لأن الأبجدية برسومها منقولة إلي الأمم والتي اشتهرت بين القوم باسم الأرقام العربية ولا سيما رقم (الصفر) الذي تذللت به صعوبات الرياضيات اقديمة جميعا .

ولا خلاف بين الباحثين علي الرجوع بأوائل الأبجدية إلي حجر (سيناء) المشهور أو علي سريان الأبجدية إلي بلاد النبط في الشمال وبلاد اليمن في الجنوب ثم سريانها إلي أمم الشرق والغرب من هذين الطريقين .

ومهما يكن من رأي في الأصول والنقول فالأمر الذي لا شبهة فيه أن(ABC)هي أبجد بعينها وان الجيم في الأبجدية مخطوطه علي شكل رقبة الجمل وهو علي هذه الرقعةمن الأرض حيوان أصيل في البادية العربية ولا يوجد حرف في الأبجدية وحده ما لم يكن مصحوبا بغيره من الحروف .

وفي الطب يكفي أن يقال أن جامعة (لوفان ) لم تعرف إلي القرن السابع عشرا مرجعا للطب والعقاقير أوفي من كتب الرازي وابن سيناء وابن الهيثم، وأن أطباء العرب صححوا آراء بقراط وجالينوس في التشريح ووظائف الأعضاء .

وفي الكيمياء يكفي أن نعلم أن القلويات كلها معروفة إلي اليوم باسمها العربي ،وأن أهم الحوامض وهو -ماء الفضة-لم يوصف في كتاب غربي قبل كتاب جابر ابن حيان وأن ملح البارود من تحضيرات تلميذ العرب روجرز باكون .

وقد يسبق إلي الخاطر أن الأدب الأوروبي ميدان لا يتسع للاقتباس من الحضارة العربية كما اتسعت ميادين العلوم والمباحث الفكريه لا ختلاف اللغة واختلاف قواعدها من الأساس بين الشعبة الآرية والشعبة السامية من اللغات ،إلا أننا لانقرأ بوكاشيو الإيطالي في "صبحاته العشرة "ولا سرفانتيز الأسباني في " دون كيشوت"ولا شكسبير الإنجليزي في رواية "العبرة بالخواتيم " ولا دانتي الإيطالي في"القصة الإلهية"إلا تبين لنا علي وجه التحقيق أنهم مدينون لقصص ألف ليلة وليلة وحكاية ابن طفيل وغيرهما .

هذه العجالة السريعة عن نصيب العرب في حضارة العالم لا تعدو أن تكون عنوانا مجملا لهذا الموضوع المستفيض الذي لا يحاط به في غير المجلدات الضخام وكل ما نبغيه في هذا العرض الموجز أن نلم فيه إلمامة إنصاف بالمكان الرفيع الذي تتبوأه حضارة العرب بين أرقي الحضارات الإنسانية في تاريخها القديم والحديث .

ولكننا لانبلغ بهذه الإلمامة حقها من الإنصاف ما لم ندخل في حساباتنا تلك المنزلة الوسطي التي امتازت بها حضارة العرب في حيز المكان وحيز الزمان علي السواء ،ونعني بالمنزلة الوسطي أن هذه الحضارة قامت متوسطة في مكانها بين الشرق والغرب ،متوسطة في زمانها بين حضارات القرون الأولي وحضارات القرون الحديثة من أواسط القرن التاسع عشر إلي الآن ،فاستطاعت بتوسطها في المكان والزمان أن تنقل من الشرق إلي الغرب وأن تعرف العالم بما كان محجما وراء السدود والمسافات من حضارات الفرس والهند والصين .

لعملاق الأدب العربي العقاد .



شكرا لتعليقك