pregnancy

الثورة الحقيقية (٢)










الثورة الحقيقية  (2)
...........................

للأسف تكرست الثورة كمعنى مقترن بشكل كبير بالعنف والعنف الشديد والقتل؛ فمع إن أهدافها تبدو بعناوين وطنية أو إنسانية إلا أن سلوكها العنيف ينسي الناس الهدف الذي قامت لأجله الثورة متأملين في ضراوة ما يحدث وفي جدواه. 
وفي هذا يقول مفكر ياباني ما معناه: "يمضي الناس أعمارهم وهم يحلمون بالثورة، وما أن تندلع حتى يحلمون بعدها بخمس دقائق بالسلام".
إن اقتران الثورة بالعنف ليس مؤشرا أو شرطا لازما بأن ما يجري في هذه البقعة أو تلك ثورة بل ربما كان انقلابا أو حربا داخلية أو إعادة ترسيم حدود. وبالتالي يمكن أن تقوم الثورة بدون عنف أو بحدود دنيا جدا منه، فالثورة فعل مجتمعي غير شخصاني  وهذا يعني أن العنف في حال وجوده ليس موجها تجاه الشخص نفسه (رجل شرطة على سبيل المثال) بل هو موجه إلى رمزيته وإلى الموقف الذي يتبناه هذا الإنسان، وإن ممارسة العنف تجاه هؤلاء لا تقوي موقف الثورة من التابعين للسلطة كونها توجه أذية نحو جزء من المجتمع بل تضعف موقفها
هنا يجب أن نفرق جيدا بين مفهوم الثورة الذي هو حدث اجتماعي سياسي استثنائي بكل المقاييس وبين التحولات الاجتماعية الاقتصادية الكبرى التي تمت بشكل بطيء ومتدرج  ووفق الآليات والمسببات الطبيعية لحركة التاريخ فعندما نتحدث عن الثورة الصناعية أو الثورة التقنية الإلكترونية أو الثورة المعلوماتية المنبثقة عنها فليس المقصود أكثر من تعبير مجازي، لأنها في حقيقة الأمر تعبر عن تحولات اقتصادية تقنية نمت بشكل تلقائي متدرج؛ في حين أن الثورة هي فعل اجتماعي سياسي بقصد التغيير المجتمعي، وبالتالي فهو حدث نادر في التاريخ يحمل عناصر انقلاب على النظام والثقافة السائدة، وهذا الفعل يفترض إلا يكون اعتباطيا" بل يجب أن يكون مبنيا" على معرفة أي أنه يمثل حالة وعي للواقع السلبي المعاش وللواقع المستقبلي الذي يفترض الوصول إليه.
هنا تصبح الثورة هي لحظة وعي إنسانية كبرى في مسيرة البشرية المتنامية حسب الآليات الطبيعية للنمو، هي لحظة استثنائية تكسر الآليات والقوانين التاريخية لتفرض آليات جديدة.
(يتبع)

علي حسين الحموي
شكرا لتعليقك