pregnancy

تاريخ النقد ونظرياته في عصر النهضة









تاريخ النقد ونظرياته فى عصر النهضة(2)

د- سير فيليب سيدنى (1554-1586)
Sir Philip Sidney
(النقد فى العصر الإليزابيثى)
اتفق النقاد والدارسون على أن تاريخ النقد الأدبى الذى ازدهر فى بلاد الإغريق والرومان فى المراحل الأولى منذ القرن الخامس قبل الميلاد قد تعثر بعض الوقت طوال مراحل العصور الوسطى التى غطت الفترة من القرن التاسع وصولاً إلى القرن الخامس عشر الميلادى، وبعدها انعشت الحركة النقدية مرة أخرى منذ القرن الخامس عشر أو قبل ذلك بقليل ممثلة فى محاولات دانتى الليجيرى وبوكاتشيو وصولاً إلى القرن السادس عشر، الذى سمى بعصر النهضة وإعادة انبعاث التراث الإغريقى والرومانى، وقد تبلورت الحركة النقدية فى إيطاليا وفرنسا ممثلة فى أسماء نقاد شاركوا طوال هذه المرحلة أمثال سكاليجر وكاستلفترو فى إيطاليا أما عن البدايات الحقيقية للنقد الأدبى الجاد فى انجلترا فقد تأخر نسبياً ولم تكمل ملامحه إلا فى عصر الملكة اليزابيث".
أما عن القرن السادس عشر. فقد اعتمد النقاد على قواعد وقوانين النقد الكلاسيكى التى بلورها الشراح فى عصر النهضة دون إغفال تراث القرون الوسطى، حيث تبلورت اهتمامات الشعراء فيما يتعلق بجانبى البلاغة والنحو وما سمى "بالريتوريكا"().
انصب اهتمام الشعراء والنقاد فى عصر النهضة بانجلترا على الشعر والشعراء وسعو إلى تحريره من سلطان الدين، وأصبح الشعر إلهاماً ينزل على الشاعر من فيض السماء وهم فى كل ذلك يعتمدون على كتاب "فن الشعر"لهوراس" وحجتهم التى يرجعون إليها فى تقييم النواحى الفنية فى الشعر، ومصدر جل أحكامهم الجمالية، وقد قبلوا هوراس وآمنوا بأن غاية الشعر ليست الفائدة أو المنفعة وحدها وإنما المنفعة والطرب معاً، وتأثر بعضهم مثل "سيدنى" بأقوال أرسطو، فكانوا يشيرون إليها غالباً فى كتاباتهم، وإن كانوا أنفسهم لم يقرؤا أرسطو، وإنما عرفوه عن طريق الشارحين والنقاد الإيطاليين . ولكننا سنكتشف أن نقاد عصر النهضة فى انجلترا فى أثناء حكم الملكة إليزابيث لم يلتزموا التزاماً حرفياً بالقوانين الكلاسيكية التى التزم بها بعض نقاد إيطاليا وإنما تميز نقاد انجلترا بأنهم يخضعون أحكامهم للتدقيق معتمدين على ما تمتعوا به من حرية الفكر، الأمر الذى يجعلهم لا يقيمون أحكامهم معتمدين على آراء أرسطو وحده أو أى من شراحها ومفسريها.
أعطى نقاد عصر النهضة فى انجلترا اهتماماً كبيراً لبعض القضايا الكلاسيكية التى تركها السابقون محاولين تفنيد بعض قضايا المسرح الكلاسيكى وقضية الأوزان الكلاسيكية وكان المعيار الوحيد الذى يطبقونه عادة هو "معيار الذوق السليم، فإذا ما دعا الناقد إلى اتباع نمط كلاسيكى قديم فانه يفعل ذلك؛ لأن هذا النمط فى عرفه يتفق والذوق السليم، وليس لأنه مجرد نمط خلقه الإغريق أو بالأحرى الرومان القدامى وهم فى ذلك يتفقون مع النقاد السابقين أمثال سنيثو، و "دى نورز" Denores، وجوزينى، وسومو Foustino Summo الذين أثاروا قضية الذوق التى سيتحدث عنه فيليب سيدنى أيضاً.
ترتب على عدم قبول نقاد إنجلترا آراء السابقين عليهم باعتبارها مسلمات إلى إدخال مفاهيم جديدة على وظائف الشعر والشعراء، حيث ترتب على قراءة الآداب الكلاسيكية القديمة أن أدخل هؤلاء النقاد مفهوماً جديداً للشعر يختلف عن هذا المفهوم التقليدى الذى ورث عن القرون الوسطى. وقد أدى ذلك إلى تضارب الآراء وغموض الأفكار فيم يتعلق بماهية الشعر ووظيفة الشاعر، وساعد على نشر الفوضى النقدية التى كثيراً ما كان يشكو منها الكتاب فى هذا العصر، وزاد من الاضطراب والفوضى هجوم المتزمتين فى الدين على الشعر، واعتبارهم إياه فناً خطيراً على الدين والأخلاق". وقد رد الكثير من نقاد عصر النهضة فى انجلترا أمثال فيليب سيدنى والناقد "بتنهام" الذين تصدوا للرد على هؤلاء المتزمتين وعلى رأسهم الكاتب "جونسون" الذى هاجم الشعر والشعراء فى عدة دراسات له.
تمحورت الدراسات التى تقدم بها المدافعين عن الشعر فى عصر النهضة بإنجلترا حول عدة نقاط أهمها:-
1- أن الشعر رمزى فى جوهره ويخفى وراء مظهره الجذاب حقائق خلقية وفلسفية وبذلك يصبح الشعر تعليمياً وهذا الرأى يعود للعصور الوسطى.
2- أن الشعر محاكاة وأن وظيفة المحاكاة هى توليد اللذة والمتعة وهو رأى يتضح فيه التأثر بآراء أرسطو.
3- أن الشعر ينشط ملكة الخلق عند الإنسان وهو رأى قاله فيليب سيدنى.
4- مشكلة الإلهام الشعرى: فبعد أن تراجعت فكرة أفلاطون القائلة بأن الإلهام ضرب من الجنون تولد الرأى الذى يقول بأن الشعر نوع من النشوة تساعد بدورها على تركيز الشاعر واستحضاره للشعر.
5- العلاقة بين القديم والجديد ونعنى بها دراسة ميراث الأقدمين سيمكن النقّاد والكتًاب من اقتفاء الأثر ومن ثم تصبح المحاكاة عوناً على عملية الخلق الأدبى التى يقوم بها الشاعر".
ترتب على إعداد طرح بعض الأفكار القديمة المأخوذة من السابقين أن نجح نقاد عصر النهضة فى انجلترا فى تقديم معانى جديدة تختلف عن غيرهم من المقلدين للميراث الأغريقى والرومانى تقليداً يصل إلى حد المحاكاة بالمعنى الساذج الذى أصبح موضع اهتمام كتّاب عصر النهضة فى إيطاليا اقصد تقليد الأعمال التى أبدعها كتّاب المسرح الأغريقى والرومانى، أما كتّاب عصر النهضة فى انجلترا ونقاده فقد نجحوا فى مخالفة هذا الرأى وأصبحت المحاكاة مثلا لغة قراءة تراث السابقين وتأمله للوصول إلى الوسائل التى يستطيع الكاتب أن يؤثر فى نفوس القرّاء.

الناقد الأدبى الإنجليزى فيليب سيدنى
(ناقد المسرح الإليزابيثى)

دافع سيدنى فى كتابه(دفاع عن الشعر) عن الآراء المتعصبة المتزمتة من رجال الدين المتشددين الذين كانوا يرون الشعر من وحى الشيطان وأنه يجب عليهم محاربته وقد انطلقت دعوى سيدنى لكى "يبرز مكانة الشعر الانجليزى بالإستناد إلى منطق حياة البشر قائلاً: إن الشعر لازم لكل بيئة إنسانية متبدية أو متحضرة وأنه سجل أمجاد السالفين وطرائفهم وأبقاها عبرة ماثلة للأجيال التى تلتها. وقسم مقاله إلى أربعة أجزاء:-
الجزء الأول: تحدث فيه عن قدم الشعر، كونه تراثاً إنسانياً شائعاً فى كل مكان.
الجزء الثانى: تحدث عن الخدمات التى أداها الشعر للإنسانية من ناحية تمجيد الحق وتنمية الأخلاق الكريمة وغرس الفضائل فى النفوس.
الجزء الثالث: تناول صميم موضوعه فأخذ يفند حجج معارضى فن الشعر حجة بعد أخرى ويقيم الدليل على عكسها مبيناً أن الشعر ليس من خصائصه الكذب.
الجزء الرابع والأخير: وصف الشعر فى انجلترا، وأبدى نصائح للأدباء المحدثين. ليؤدوا وظيفتهم أداءاً صالحاً يكفل لهم ذيوع شعرهم وتبوء المكانة اللائقة بهم.
إن سيدنى بذلك يكون قد حدد فى دفاعه عن الشعر بداية أهمية فن الشعر وأنه ارتبط ببدايات الإبداع الإنسانى منذ المسرح الإغريقى والرومانى، فكان محل تقدير من كل فئات الشعب كما أنه أوضح ما أداه الشعر لبنى الإنسانية حينما قدمت مسرحيات تغرس فى نفوس المشاهدين قيم الخير والفضيلة وتحارب قيم الشر والرذيلة، وبذلك يساعد الشعر على تهذيب النفوس وتربية الذوق لدى الناس ثم استمر سيدنى فى تنفيذ حجج المعارضين للشعر من العمليين الذين لا يقرونه. كما ناقش سيدنى آراء أفلاطون حيال الشعراء وطردهم من جمهوريته وأرجع الأسباب ليس إلى كون الشعراء يلهون بعقول الناس ونفوسهم، بل إن الشعر الردئ هو الذى يفسد حياة الناس حينما يفقدهم الشاعرية الحقة وهو بذلك يكون قد هدم وتجرأ على مناقضة آراء أفلاطون الذى وصلت مكانته فى عصر النهضة إلى مكانة القديسيين.
تحدث سيدنى فى مقالته الشهيرة "دفاع عن الشعر" عن قضية الذوق العام أو حسن التقدير وذلك حين أعاب المزج من قبل الشعراء بين المآسى والكوميديات فتصبح حينئذ خليطاً يجمع بين الملوك ومهرجيهم وهو نوع من الخلط تفقد فيه المسرحية – يقصد الـ Tragi – Comedy – قدرتها على "تحقيق الإعجاب والتعاطف أو التسلية الصحيحة "أو من الواضح أنه لم تكن التراجى- كوميدياً نوعاً صحيحاً بالنسبة لسيدنى شأنه فى ذلك شأن المحافظين الآخرين". أى أن سيدنى يرفض هذا المزج الذى قام به بعض الكتاب أمثال شكسبير الذى تجاهل مبدأ فصل الأنواع الذى قال به أرسطو ومزج بين التراجيديا والكوميديا. هذا من ناحية. من ناحية أخرى فقد رفض سيدنى أيضاً الكتاب الذين "انغمسوا كما انغمس شكسبير فى التيار الرومانسى. وهو يتحدث عن "مآسينا وملاهينا" فيلاحظ عبث مؤلفيها بالقواعد، وتجردها من التأدب الأمين، والشعر البارع".
إن دفاع سيدنى عن الشعر قصد من ورائه الهجوم على الكتاب المسرحيين الذين أهملوا قواعد السابقين دونما علم أو دراية، فهو يرى أن خلط الكتّاب بين الكوميديا والتراجيديا نوع من عدم الإحترام، كما أشار سيدنى إلى قضية الواقعى والمسرحى وأقصد بها ما قاله من قبل نقاد عصر النهضة فى إيطاليا أى المشابهة، إذ كيف يمكن للجمهور أن يشاهد عملاً مسرحياً لا يراعى المؤلف فيه إمكانية حدوث هذا الشىء فى الواقع لكنه من الصعب أن يحدث على خشبة المسرح فقد إزدحمت خشبة المسرح بأعداد من المشاهد تنقل المشاهد من حديقة بها ثلاثة أولاد يتنزهون ويبحثون عن الورد، وهذا يضطركم – أى المشاهدين- إلى اعتبار المسرح حديقة. بعدها بقليل تسمعون حديثاً عن حادثة غرق فى نفس المكان ويجب أن تقبلوه على أنه صخرة وإلا استحققتم اللوم الشديد".
إن سيدنى قصد من وراء ذلك ضرورة أن نفرق بين كوننا نقلد ونحاكى وبين كوننا نفهم لماذا يفعل الشاعر المسرحى ذلك حينما يكتب مسرحية بها العديد من المشاهد وتنتقل الأحداث بين أكثر من مكان دونما مبرر مقنع، يجعل حدوثها بهذا الأسلوب أمراً مستحيلاً، حتى ولو كان هذا المؤلف يخالف قواعد السابقين. إن سيدنى الذى تأثر فى كثير من أقواله عن الشعر وغايته بأرسطو مثل غيره من نقاد عصر النهضة- قد خالفه فى نواحى كثيرة وتحرر من الكثير من القواعد شأن النقاد الآخرين- الذين "كانوا يشيرون إلى أقواله فى كتاباتهم، وإن كانوا أنفسهم لم يقرءوا أرسطو، وإنما عرفوه عن طريق الشارحين والنقاد الإيطاليين، وعلى الرغم من هذا التأثر بالنقد والأدب الكلاسيكيين فإننا نستطيع أن نقول بصفة عامة: إن نقاد عصر النهضة بإنجلترا كانوا على قدر كبير من التحرر، فلم يقبلوا شيئاً على عواهنه، ولم يبنوا أحكامهم على أقوال ناقد قديم بالذات".
وسيدنى بذلك يؤكد فى دفاعه عن الشعر رفضه لتقليد السابقين دون تفنيد ودراية وفهم، وهنا نرى أن رسالة سيدنى ومقالته هذه تعد وثيقة هامة فى تاريخ النقد الإنجليزى أكدت بدورها ما سبق أن قاله الكثير من النقاد.
إن النقد فى عصر النهضة فى انجلترا قد أضاع وقتاً كبيراً فى مناقشة قضايا خاسرة أثبتت الدراسة بعد ذلك أنها أعاقت كثيراً فى تطور حركة المسرح الإنجليزى حتى أن بعض النقاد فى انجلترا طوال القرن السابع عشر وصولاً إلى القرن الثامن عشر بدأوا مهاجمة مقومات النقد الكلاسيكى حتى إذا وصلنا إلى نهاية القرن الثامن عشر وجدنا كل من "وردزورث" وكولردج يرفضون هذه القواعد الجامدة التى تسود عقلية العصر متأثرين فى ذلك بالتفكير الفرنسى الذى جلبه معه الملك تشارلز الأول بعد أن تزوج من أميرة فرنسية، عاد إلى وطنه وتولى عرش انجلترا وقد جلب معه الذوق الفرنسى فى كافة مناحى الحياة بما فى ذلك الفنون عامة والأدب والمسرح خاصة.
هـ- الناقد الانجليزى
بن جونسون (1572-1627)
يعد "بنجامين جونسون فى الأصل ممثلاً وشاعراً وكاتباً مسرحياً وناقداً انجليزياً كتب عدداً من المسرحيات أهمها مسرحية "كل إنسان وطبعه every Man in his Humor التى لاقت نجاحاً كبيراً عند عرضها على خشبة المسرح الانجليزى ومسرحية فلوبونى، والكيميائى وغيرهما.
وافق "بن جونسون" الناقد "سيدنى" فى كثير من الآراء الخاصة بكيفية التعامل مع قوانين الدراما وقواعدها وقد بلور هذه الآراء فى كتابه المسمى "اكتشافات"، Discovers، حيث تتضح ميوله نحو الكلاسيكية الحديثة فى مسرحيته "سيجانوس Sejanus" و كاثلين "Cathline، حيث كتب هاتين المسرحيتين "لمعارضة مسرحيات شكسبير الرومانسية" وربما يكون "بن جونسون" بذلك قد أكمل مشوار "سيدنى" و "دانيل" فى تكملته لهما إذ يعد "بن جونسون" امتدادا لهما وتكملة نظراً "لما تميز به من تحرر فى تناول الآداب القديمة والحديثة، وهو أول من استطاع أن يقول: "إن شعر "شكسبير" فيه الغث والسمين، على أنه كان فى الوقت نفسه متأثراً إلى حد بعيد بروح النظام الكلاسيكى، وذا ميل شديد إلى الأخذ بقواعد القدامى فى أحكامه النقدية على الآداب فى عصر الملكة اليزابيث".
إن "بن جونسون" يتحرك فى ثلاثية نقدية تكتمل بسيدنى ودانيل شأنه فى ذلك شأن بوالو ورايان ولى بوسية فى فرنسا طوال القرن السابع عشر وشأن دريدان وبوب ودكتور جونسون فى انجلترا فى القرنيين السابع عشر والثامن عشر، إذ يسعى بن جونسون من خلال مسرحياته إلى التركيز على الجوانب العقلية أكثر من الجوانب الوجدانية، وهو فى جميع مسرحياته يخاطب العقل، وهذا ما اكتشفه نقاده، إذ أدركوا أن مسرحياته تخاطب العقل أكثر من مخاطبتها للوجدان. كما أن الإلمام بالناحية الجمالية فى مسرحياته أمثال "فولوبنى" Volpone " والسيدة الصامتة "The Silent Woman" و "الكيماوى The Alchemist يحتاج إلى جهد وعناء للبحث عنها من وراء السطحية التى قد تبدو لنا بعد قراءتها على عجل".
لقد اقترب "جونسون كثيراً- كما سبق القول- من الواقعية أكثر من الرومانسية، لذلك وجد ضالته المنشودة فى الآداب الكلاسيكية- الاغريقية والرومانسية – لكنه لم يلتزم بها التزاماً حرفياً بل خالفها فى بعض النواحى. فهو قد خالف السابقين مثلاً فى الحبكات التى أدار بها مسرحياته؛ فهو لا يستخدم طريقة مألوفة"، بل يستخدم مهارة بنائية درامية هائلة، تمثلت فى استغنائه عن الحبكة. فهو لا يعالج أبداً حبكة فى مثل تعقيد حبكة تاجر البندقية، وليس فى خير مسرحياته ما يشبه مؤامرات ملهاة عصر رجوع الملكية Restoration drama وفى مسرحيته "سوق بارثولوميو" تكاد توجد حبكة. فأعجوبة المسرحية هى الفعل الحمائى السريع المحير للسوق، إنها السوق ذاته وليس أى شىء يحدث فى السوق وفى مسرحية "فولبونى" أو مسرحية" الكيميائى" أو مسرحية "المرأة الصامته" حبكة تكفى لابقاء الممثلين فى حالة حركة. إنه فعل أكثر مما هو حبكة، فالحبكة لا تربط أجزاء المسرحية وما يربط أجزاءها إنما هو وحدة إلهام تشع على الحبكة والشخوص سواء بسواء.
إن آراء "بن جونسون" النقدية وكتاباته المسرحية- مسرحياته- تعد ذات أهمية فى تاريخ النقد العالمى وفى تاريخ بلورة نظرية درامية يرى الكثير من النقاد أنه إذا كان "بن جونسون" قد عاش فى حياتنا المعاصرة فى القرن العشرين أو القرن الحادى والعشرين فإنه كان سيحتل مكانة لا تقل أهمية عن مكانة شكسبير، بل ربما نجح فى أن يحتل مكان الصدارة بين كتّاب المسرح المعاصر، ذلك أن شخصيات مسرحياته وأفكاره وحبكاته تدل كلها دلالة أكيدة على أن ما اتهم به "بن جونسون" من قبل بعض النقاد من أن أعماله سطحية هو أمر غير صحيح لأن السطح عند "جونسون" صلب – حقيقى- أنه توجد أعمال معاصرة له سطحية بمعنى انتقاص لا يمكن اضفاؤه على جونسون "فهو ما هو، وهو لا يدعى أنه شىء آخر ولكنه من الوعى والتعمد إلى الحد الذى يتعين علينا معه أن ننظر بعينين يقظتين إلى الكل قبل أن ندرك دلالة أى جزء إننا لا نستطيع أن ندعو عمل رجل سطحياً حينما يكون هذا العالم خلقاً لعالم، فإن الرجل لا يمكن أن يتهم بأنه يتناول على نحو سطحى العالم الذى خلقه هو نفسه، لأن السطحيات هنا هى عين العالم. إن شخصيات جونسون تتمشى مع منطق انفعالات عالمها وليست من خلق الوهم، فإن لها منطقاً خاصاً بها وهذا المنطق يجلو العالم الفعلى، لأنه يقدم لنا وجهة نظر جديدة نفحصه منها".
وعليه فإن موجه الرفض والقبول التى تتردد بين الفنية والأخرى دليل قاطع على عظم ما كتب وأبدع "بن جونسون" سواء فى مجال الدراسات النقدية، أو فى مجال المسرح وإن كان بعض النقاد يرون أنه "فشل" حينما هم باقتحام عالم التراجيديا، وحينئذ عرف جيداً بل أيقن أن ازدهار فنه منصب على الملهاه لهجائها المقذع وسخريتها الاجتماعية. وقد وضع نصب عينيه بعض المثل الأخلاقية، وتركز هجاؤه حول تلك الشخصيات التى تحيد عن هذه المثل، أما بقية شخوصه المسرحية فهم أناس لا حول لهم ولا قوة، يبدون لنا فى معظم الأحوال كلوحات باهتة لا حراك فيها، يعوزهم الطابع الدرامى أو القيمة المسرحية التى تزخر بها ملهاة موليير مثلاً".
إن الأجواء التى دارت فيها أحداث مسرحيات "بن جونسون" جعلتها ترتبط بأجواء معينة معظمها يدور فى أجواء المجتمع الانجليزى فى عصر الملكة اليزابيث وهو ما يجعلها تفشل إن غادرت هذه الأجواء وهو ما يرى فيه بعض النقاد قصوراً، بخلاف كوميديات شكسبير التى تستطيع أن تعيش وتقدم فى أى مكان نظراً لغنى أعمال شكسبير التى تتحقق فى أى زمان ومكان ولا ترتبط بزمنها أو مكانها الذى أبدعت فيه.
وبرغم كل الهجوم والرفض فى بعض الأحيان على نتاج "بن جونسون" فإننا لابد وإن نذكر له الفضل فى إنتاج غزير من الأدب والآراء النقدية التى أكدت دون شك أنه كان حريصاً على ضرورة الاعتراف بوجود أدب انجليزى جدير بالعناية والتقدير وقد كان هو نفسه من أكثر الأدباء إنتاجاً فى حينه، وأنه من ناحية أخرى كان متعصباً للقواعد القديمة، ويرى وجوب تطبيقها على الأدب الإنجليزى ليصل إلى حد الكمال وبهذا يمكن أن يقال إن "بن جونسون" هو الذى فتح الطريق أمام الكلاسيكية الجديدة التى بلورها "جون درايدن" فى أواخر القرن السابع عشر".


الصورة لفليب سيدني
د.أحمد صقر
شكرا لتعليقك