رحلة النهار الطويلة إلى الليل
...................................................................................
إذا نحينا جانباً كتب السيرة الذاتية المباشرة التي يضعها كتّاب وفنانون، أو سياسيون ومفكرون، أو غير هؤلاء وأولئك من المشاهير، وغالباً عند مراحل متقدمة من حياتهم، سنجد السيرة الذاتية وإن بطرق غير مباشرة، موجودة مندمجة في الروايات والأفلام...
«رحلة النهار الطويلة إلى الليل» لأونيل: الـ«أنا» على خشبة المسرح
ابراهيم العريس
إذا نحينا جانباً كتب السيرة الذاتية المباشرة التي يضعها كتّاب وفنانون، أو سياسيون ومفكرون، أو غير هؤلاء وأولئك من المشاهير، وغالباً عند مراحل متقدمة من حياتهم، سنجد السيرة الذاتية وإن بطرق غير مباشرة، موجودة مندمجة في الروايات والأفلام وبخاصة في القصائد الشعرية واللوحات التشكيلية، أي في انواع الفنون والآداب كافة، ولكن باستثناء المسرح الى حدّ كبير. فالمسرح لا يزال يبدو حتى اليوم من أقل ضروب الإبداع اهتماماً بهذا النوع من الكتابة. ومع هذا لم يخل الأمر، ولا سيما في القرن العشرين، من كتاب مسرحيين حاولوا المزج بين الكتابة المسرحية وسيرهم الذاتية، فأخفق البعض في ما نجح البعض الآخر. ولعل من أبرز هؤلاء الذين نجحوا، الكاتب الأميركي يوجين أونيل، وبخاصة في واحدة على الأقل من مسرحياته الأخيرة «رحلة النهار الطويلة الى الليل». هذه المسرحية التي ما إن تُذكر حتى يضاف تعريفها بأنها «مسرحية أوتوبيوغرافية». ومع هذا، على عكس ما قد يخيّل الى القارئ هنا، لا تنصرف هذه المسرحية الى وصف حياة بأسرها ولا حتى جزء من حياة يمتد سنوات أو شهوراً أو أسابيع، بل تكتفي بالحديث عما لا يزيد عن ثماني عشرة ساعة من حياة أسرة أميركية اجتمعت في بيتها الصيفي. هذه العائلة تدعى هنا عائلة تيرون، لكنها في حقيقة الأمر عائلة الكاتب أونيل نفسه.
> الساعات التي تروي لنا المسرحية «أحداثها»، مع أن ليس ثمة أحداث بالمعنى الحرفي للكلمة، تقع ذات يوم من شهر آب (أغسطس) من العام 1912، فيما كان كاتبنا في الرابعة والعشرين من عمره. ففي ذلك اليوم، عبر اجتماع لأفراد الأسرة يحدث ما يمكن للمرء أن يتوقعه، ولكن بأعنف من المتوقع: يتجابه أفراد الأسرة في ما بينهم، كما يجابه كل منهم ذاته. يكتشف عبر مرشّح الآخرين خيباته وإخفاقاته ولا سيما فشلهم جميعاً في تكوين عائلة والحفاظ عليها. يكتشفون معاً استحالة التواصل في ما بينهم، بل حتى استحالة تواصل كل واحد منهم مع ذاته. كل واحد «سيكتشف» أخطاءه وذنوبه وفرصه الضائعة. بكلمات أخرى سيجابه كل واحد ضياع حلمه الأميركي الخاص وتحوّل الحلم الى كابوس. إن الشخص المهين والطاغية هنا هو الأب جيمس تايرون الذي سيتكشف الأكثر هشاشة هو المسرحي المتقاعد العائش في أحلام ماضيه الذي عرف بعض النجاح الشعبي. غير أنه يعيش في الوقت نفسه في ظل ذكريات بؤس طفولة تجعله حريصاً ومهووساً بجمع الدولارات. وفي مواجهة جيمس هناك زوجته الهادئة الوديعة ظاهرياً ماري، اضافة الى ولديه، الأكبر جيمي مدمن الكحول المتصدي لأبيه في شكل متواصل، والأصغر إدموند (يوجين أونيل في الحياة الحقيقية)، العائد الى البيت الأسري بعد سنوات من التشرد والضياع والإستلاب. وبسرعة سوف نكتشف أن الأم التي كانت قد اضطرت الى تناول المورفين لدى ولادتها إدموند أدمنت عليه في ذلك الحين لكنها سرعان ما عولجت. ولكن هل تراها شفيت؟ أبداً، إذ ها هي اليوم تعود الى تناوله متخلّية عن المعركة القاسية التي خاضتها ضده. ها هي تجابه من جديد إدمانها في لعبة الصراع اللفظي التي يخوضها الجميع ضد الجميع. حيث كل واحد يتحيّن الفرصة للتعبير عن مكنوناته باحثاً في الصراع الذي يخوضه عن أسباب ما وصلوا اليه. لكنهم بالطبع يعجزون عن ذلك خلال الساعات التي نصاحبهم فيها على الخشبة، فيما تغوص ماري التي كانت قد فجرت ذلك كله، في هلوساتها، ويغوص كل واحد من الآخرين في جنونه الخاص وتأرجحه بين تحمّله حصته من المسؤولية أو تحميلها للآخرين.
> في هذه المسرحية التي تصنف عادة بين أفضل ثلاث مسرحيات أميركية كتبت في القرن العشرين، الى جانب «عربة اسمها الرغبة» لتنيسي ويليامز، و «موت بائع متجول» لآرثر ميلر - علماً أن المسرحيات الثلاث تتشابه في جوهرها كما في تعاملها مع الحلم الأميركي -، عرف أونيل كيف يعرّي نفسه تماماً مقدماً في طريقه نوعاً من التشريج المجهري العنيف لذهنية النجاح الأميركية. بيد أن الغريب في الأمر هو ان المسرحية لم تقدّم في المرة الأولى في أميركا ولكن في السويد حيث حققت في العام 1956 نجاحاً مذهلاً ليتلو ذلك عرض أميركي أول لها في برودواي، وذلك قبل أن تقتبسها السينما والتلفزة في أكثر من نصف دزينة من أفلام عرفت بدورها نجاحات كبيرة، بحيث أن «رحلة النهار الطويلة الى الليل» ساهمت مساهمة أساسية في تفاقم شهرة أونيل مع أنه كان قبلها معروفاً بكونه الى جانب تنيسي ويليامز وآرثر ميلر، وقبلهما أحياناً، أعظم كاتب مسرحي أنجبته أميركا. هو الذي لم يكن في حاجة لأن يتزوج شارلي شابلن من ابنته أونا فيصبح صهره، حتى ينال مزيداً من الشهرة.
> والحال اننا إذا قرأنا مسرحيات أونيل العديدة وتفرسنا في معانيها ورسالاتها، تكشّف لنا من خلالها كاتب لم يكف عن التنديد بخلو مجتمعه، من القيم، كما من التنديد بالروح المادية المسيطرة على قرننا العشرين هذا. ومع ذلك لم يكن أونيل كاتباً طوباوياً، كان بالأحرى من أكثر كتّاب أميركا واقعية، وواقعيته هذه طبعت الأدب الأميركي في طول القرن العشرين وعرضه، بحيث لن يكون من الخطأ القول ان «واقعيات» تنيسي ويليامز وكليفورد أوديتز وآرثر ميلر، انما ولدت من رحم واقعيته.
> ولد يوجين أونيل في العام 1888 في مدينة نيويورك، لأب كان ممثلاً مشهوراً في زمنه، ويوجين - على عادة كبار الكتّاب والمبدعين الأميركيين - خاض العديد من المهن المتنوعة قبل ان ينصرف الى الكتابة، حيث نراه في صباه بحاراً وبائعاً ومنقباً عن الذهب في أقاصي الغرب الاميركي. وبعد ذلك نراه في شبابه صحافياً لامعاً، قبل ان يقرر ذات يوم اقتفاء خطى أبيه والعمل كممثل مسرحي. وهكذا وجد الشاب نفسه في خضم الحياة المسرحية، حيث تضافر لديه حبه لهذا الفن مع تجاربه الحياتية المتنوعة وحبه للأدب، لينتج هذا كله ذلك الكاتب الذي سينال في العام 1936 جائزة نوبل الأدبية فيكون واحداً من قلة من كتّاب المسرح نالوها. ولكن قبل الحصول على نوبل، كان لا يزال على أونيل، أن يكتب ويثبت مكانه في عالم الكتابة، وكانت بدايته الحقيقية في هذا المجال حين انضم الى المسرح الاختباري في 1916 برفقة ممثلي فرقة «برنستاون»، وهناك كتب اولى مسرحيات الفصل الواحد التي اشتهرت فيما بعد مثل «اقفز شرقاً الى كارديف» (1916) و «قمر الكاريبي» (1918). غير ان بدايته الكبيرة الحقيقية كانت مع مسرحية «ما وراء الأفق» ذات الفصول الثلاثة، التي كتبها العام 1920، واتسمت بطابع واقعي - طبيعي طغى على معظم اعمال أونيل بعد ذلك، حتى وإن كانت روايته الثانية «الامبراطور جونز» جاءت تعبيرية الاتجاه، في تحدثها عن صعود وسقوط امبراطور زنجي في واحدة من جزر الهند الغربية. في العام 1921 عاد أونيل الى أسلوبه الواقعي في مسرحية «آنا كريستي» التي وصف فيها حياة فتاة ليل وتوبتها عند ميناء نيويورك. ومن أبرز مسرحيات أونيل في تلك الحقبة الفنية من حياته نذكر: «القرد الكثيف الشعر» (1922) و»رغبة تحت شجرة الدردار» (1924)، وهي مسرحية اقتبستها السينما مرات عديدة. أما المرحلة التالية من عمله فلقد خصصها لانتقاد هيمنة القيم المادية على مجتمع اليوم، وعبّر فيها عن مرارة شديدة وسط قوالب شاعرية متميزة، ومن أبرز نتاجات هذه المرحلة: «النبع» (1925) و «الإله العظيم براون» (1926) و «اليعازر يضحك» (1927). غير انه بعد ذلك عمد الى سلوك منهج تجريبي تجلى في بعض نصوص اتبعت اسلوب تيار الوعي كما حاول الاقتباس من المسرح اليوناني («أوريستيا» التي جعل احداثها تدور بعد الحرب الأهلية). اما العقود التي تلت فوزه بجائزة نوبل فقد انتج فيها بعض اعظم اعماله وأكثرها تنوعاً مثل «الكوميث الثلجية» و «رحلة النهار الطويلة الى الليل»، وغيرها، من أمثال تلك الأعمال التي رسخته كاتباً كبيراً وجعلت النقد الذي يعتبره الاستمرار الطبيعي للسويدي سترنبدبرغ والنروجي إبسن، ويجعل له مكانة أساسية في تاريخ المسرح العالمي لا المسرح الأميركي وحده.،،،،
ابراهيم العريس

خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء