مذبحة كفر قاسم(٤)
......................................................................................
صلحة الحاكم العسكري :
بعد مرور عام وشهر على المجزرة وقبل أن تنتهي محكمة مالينكي وجنوده العشرة، عقدت في كفر قاسم في ساحة المدرسة مراسيم صلحة (صلح عشائري) بين الدولة والقرية، بضغط متواصل من قبل الحاكم العسكري من أجل إغلاق ملف كفر قاسم، والتلميح للشارع الإسرائيلي، أن الجريمة غُفِرَت. ففي 20 تشرين الثاني 1957 نصب الحاكم العسكري خيمة كبيرة أجلس فيها كل رجالات القرية وعلى رأسهم المختار ومن الجانب الإسرائيلي شارك وزير الشرطة بيخور شطريت وقائد المنطقة تسفي تسور وضابط الحكم العسكري العقيد شاحار وغيرهم، وكتبت الصحف تفيد أنه ذُبح في تلك المناسبة (15) خروفاً و(100) دجاجة حسب الشريعة اليهودية وعلى حساب الجيش الإسرائيلي.
وجاء في كتاب كفر قاسم الماضي والحاضر2001، أن بن غوريون كان معني بهذا الطقس قبل نهاية محاكمة مرتكبي المجزرة، ليتم التمهيد للعفو عنهم، ومن ناحية أخرى من أجل قطع الطريق على أسر الضحايا في المطالبة بالتعويضات المرتكزة إلى مسؤولية الدولة المباشرة عن المجزرة، وإعفاء الدولة من تحمل أي مسؤوليات مستقبلية عن هذا الملف. حيث شكلت لجنة من وراء الكواليس تابعة للحكم العسكري, وعقدت صفقة تقرر بموجبها منح 5000 ليرة فقط لكل عائلة شهيد، وهو ما يعادل الثلث من المبلغ المستحق في حالات مشابهة لتعويض ضحايا "حرب".
مصير المتهمين الرئيسيين بالمجزرة :
يسسخار شدمي تابع خدمته وتقدمه في المناصب العسكرية حتى عام 1963، ثم أنهى خدمته كقائد كتيبة 200، وحارب في حرب الأيام الستة واستمر في خدمة الاحتياط، وانتقل إلى السوق الحر، واستمر بإنكار إعطائه الأوامر بتنفيذ المجزرة حسب شهادة ملينكي.
شموئيل ملينكي، بعد أن تم تخفيض عقوبته من 17 سنة إلى 7 سنوات، قضى ثلاث سنوات وأربعة أشهر في السجن، وتم الإفراج عنه لأسباب صحية، بعد خروجه أعاد له بن غوريون رتبه العسكرية التي جُرد منها، وعينه لاحقًا ضابط لأمن المفاعل النووي في ديمونا، ثم تقاعد من الجيش عام 1964، تم الاعتراف به كمعاق عسكري لأسباب صحية، وتوفي في العام 1978.
غابريئل دهان، حكم عليه بالحبس لمدة 10 سنوات، لم يمضي في السجن أكثر من ثلاث سنوات، بعد السجن عاد ليعيش في مدينة اللد مع عائلته وتم تعيينه مسؤولً أمنيًا في البلدية للمهمات الخاصة من بينها شؤون العرب، بعد ذلك بوقت قصير ترك البلاد إلى أوروبا، وقام بتغيير اسم عائلته، وحاول منع الكشف عن هويته وقد أصبح رجل أعمال ناجح هناك، وقد كشفت صحيفة هأرتس العام 2006 أن اسم عائلته الجديد هو داغان.وفي أكثر من تحقيق صحفي نشر في إسرائيل تم التأكيد أنه تلقى منصبًا هامًا في مؤسسة مالية صهيونية، مقربة من الدولة، ولم يبدي أسفه أو ندمه على فعلته كذلك.
شالوم عوفر، كان عمره 25 عام حين حصول المجزرة، حكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات لم يكملها في السجن كالباقين، وهو صاحب الأمر " احصدوهم"، في مقابلة لاحقة بعد 30 عام من المجزرة للصحفية داليا كرفل في صحيفة هعير (المدينة) في10 أكتوبر 1986، لم يبدي أي ندم على فعلته، وصرح أن عملية سجنهم كانت صورية وفترة محكوميتهم كانت مريحة ومدللة، وكشف كذلك أن المتهمين وقعوا على تعهدات بالسرية وفيما لو نقضوها كان من الممكن سجنهم لمدة 15 عام، وحسب رأيه كان ذلك محاولة لمنع التحقيق من الوصول إلى القيادات العليا تسور وبن غوريون وديان.
خطة الخلد، س-59
خطة "خلد" (اللغة العبرية : חפרפרת) هي خطة احترازية أعدتها حكومة بن غوريون في مطلع الخمسينات وسميت س-59 أو "خُلد"، بهدف التنفيذ في حال نشوب حرب على الجبهة الشرقية مع الأردن، لب هذه الخطة هو تهجير جماعي وقسري للمواطنين العرب سكان المثلث، حيث يفيد بحث نشره الصحفي روبيك روزنتال أن الخطة وضعت على الطاولة إبان العدوان الثلاثي، وتم إجراء مناورات تدريبية لإجرائها، ثم تم إلغاء الخطة لعدم نشوب حرب مع الأردن. وكان روزنتال نشر تفاصيل هذه الخطة في كتابه "كفر قاسم: التاريخ والخرافة"، ولا يعرف فيما إذا كانت المجزرة مخططة مسبقًا أم لا، إلا أن البحث يكشف أن الجنود تصرفوا وفق الأوامر الحرفية بسبب معرفتهم المسبقة أن إطار عملهم هو خطة الخلد، ويكشف روزنتال أن حقيقة وجود هذه الخطة قد ذكر عدة مرات خلال المحاكمة، واعترفت بوجودها عدة شخصيات إسرائيلية.
وكان روزنتال قد كشف هذه التفاصيل بمرور 35 عاماً على وقوع المجزرة، بعد إجرائه بحث لغرض كتابة مسرحية حول الموضوعـ فالتقى الكثير من الشخصيات الضالعة بالموضوع، وتمكن من قراءة محاضر محكمتي ملينكي وشدمي في الأرشيف التابع للجيش الإسرائيلي، ووثائق لم يكشف عنها قبل ذلك. ويقول روزنتال أنه ليس من الممكن فهم المذبحة دون معرفة المخطط العسكري المذهل الذي شكل الخلفية لها. ومما يستدل إليه وفق هذا الكشف، أن مجزرة كفر قاسم لم تكن خطأ في فهم الأوامر، إنما جزء من خطة عسكرية مبيتة تهدف إلى ترحيل الفلسطينين ممن أصبحوا مواطنين في دولة إسرائيل، بناء على اتفاقية رودوس 1949التي نصت على نقل قرى المثلث من ام الفحم شمالًا إلى كفر قاسم جنوبًا من السيادة الأردنية إلى الإسرائيلية، وشملت بنود تحمي أهالي المثلث وأملاكهم. وهذا بعد نهاية الحرب رسميًا.
من مصادر
الصورة : يسسخار شدمي قائد حرس الحدود الذي اعطى الاوامر ببدء المجزرة

خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء