.............................................
خامسا. الحالة الاستعمارية
من المفارقات أن الأمة السورية العربية الآرامية رغم قدمها وعراقتها إلا أنها نادرا ما قامت باحتلال عسكري للمناطق المجاورة؛ فالعقلية الإمبراطورية التي تقابلها العقلية الإمبريالية في عصرنا لم تكن راسخة في عقول السوريين وحكام الوطن السوري والسبب في ذلك يكمن في نضج الفلسفة السورية بمختلف مدارسها واعتمادها على فكرة الخالق الواحد (الذي أصبح له أسرة في الفترة الوثنية) وعلى الخلق والخير والمحبة وتقديس العمل، فتقدمت معاني السمو الروحي على معاني القوة والجبروت، وهذا ما نلاحظه في التراث الشفوي السوري المتمثل بالميجنا والعتابا والقصائد النبطية (البدوية) حيث يغلب عليها العاطفة والمحبة ومناجاة الإله
رغم كل هذه العراقة تعرض الوطن السوري من الشرق والغرب إلى غزوات وهجمات مدمرة ابتداء من الغوتيين ثم الكاشيين والميتانيين والحثيين والبيلست والفرس والمقدونيين والرومان والبيزنطيين ومن ثم الغزو التتري بموجتيه (هولاكو وتيمورلنغ) تلاه الغزو التركي التركماني والكردي بعدها وقع الاستعمار الفرنسي والبريطاني في العصر الحديث ثم الاستيطان الصهيوني والعدوان الأمريكي في تاريخنا المعاصر.
هنا لا بد أن نذكر ببعض النقاط الهامة لفهم حقيقة الوضع القومي لأمتنا في الحالات الاستعمارية مقترنا بالحامل الثقافي والحضاري الذي يمثل وجودنا الحقيقي كأمة وشعب على هذا الكوكب:
- تعرض الوطن السوري إلى نمطين من الغزوات البدوية الأولى اجنبية قاسية مدمرة مثل الغزو الغوتي والتتري والغزو التركي، وهدفها احتلال الأرض وسحق الشعب وتدمير منظومة المجتمع
النمط الثاني هو الغزوات البدوية السورية المحلية والتي كان يشنها السوريون الصحراويون على الحواضر والمدن بهدف الحصول على مغانم وأقوات حينما يحاصرهم الجوع والفقر، وخير مثال على ذلك هي الغزوات البدوية التي كانت تتعرض لها مدينة حماه والتي استدعت إعادة بناء سلمية تحت إشراف الدولة العثمانية.
لم يتعامل أهل المدن مع هذه الغزوات على أنها عدوان أجنبي، بل تعاملوا معها كحالة طارئة عليهم التصدي لها وإيجاد الحلول المناسبة على عكس العدوان الأجنبي الذي كانت تحشد له كل الإمكانات لسحقه وهزيمته
ومن هذه الرؤية يمكن تفسير تقبل السوريين السريان للفتح العربي؛ فغالبا نظر السريان إلى العرب كأبناء عم يفهمون لغتهم وطباعهم ويرتبطون معهم بالتجارة والمصالح والصداقات الشائعة، وكثير من السريان قبل الفتح الإسلامي رأوا في المسلمين فرقة مسيحية خصوصا وأن قسماً كبيراً من السريان كانوا يؤدون الصلوات المسيحية خمس مرات في اليوم سجودا لا جلوسا وكانوا يعتبرون السيد المسيح نبي بشري مرسل من الله لا أكثر (القطاع الآريوسي)
- إن الهجرات السورية إلى المناطق المجاورة للوطن السوري أدت إلى ظهور أوطان أبناء بالمعنى الحقيقي للكلمة فعلى سبيل المثال إن هجرة السوريين الى تونس واختلاطهم بالقبائل المتخلفة هناك أدى إلى ظهور الشعب التونسي الذي هو هجين ثقافي عرقي بين السوريين والقبائل الأصلية لتونس، لقد عززت الثقافة السورية من الوطنية في تونس وتمثلت آنذاك بحب قرطاجة التي بناها السوريون على يد الأميرة اليسار. وهذه الظاهرة تتكرر في مصر فالمصريين هم خليط عرقي ثقافي بين السوريين والسكان الأصليين الأفارقة
وتتكرر أيضا في المغرب ومدنه الساحلية ومنها مدينة سبته
كما تتكرر في اسبانيا فقبل الفتح الإسلامي بمئات السنين حطت قوارب الفينيقيين في جنوب إسبانيا وشرقها ليستوطنها السوريون الأوائل، وليستوطنوا أيضا جنوب أوروبا وعموم جزر البحر المتوسط الذي كان بحق بحيرة فينيقية سورية فأطلق عليه اسم البحر السوري بجدارة
وفي أوروبا كان السكان الأصليون عبارة عن قبائل شديدة التخلف والبدائية، ومع ذلك لم يمارس السوريون ضدهم القتل والتعسف بل أخذوا بأيديهم فاستحقوا كلمة المعلمين.
وبهذا فإن كلاً من الشعب اليوناني والشعب الإيطالي يعود بأصوليهما إلى القبائل السورية المهاجرة عبر أحقاب متتالية آخرها الهجرة التي ترافقت هربا من الغزو الفارسي بزعامة الملك داريوس عام 1200 قبل الميلاد تلك التي أسست لما يعرف بالحضارة والثقافة الإغريقية التي ظهرت فيها العلوم والفلسفات المستمدة في معظمها من سوريا ومصر
وبهذا فإن الأمة اليونانية كما الأمة الطليانية هي أمة أبنة للأمة السورية العربية الآرامية ومن خلال هذا نستطيع أن نفسر الشبه الكبير بين طباع الشعبين مع الشعب السوري (خصوصا قبل الحداثة الأوروبية) من حيث اللغة والأسماء والأغاني والموسيقا والعادات والتقاليد والأعراف والرقص الجماعي والاحتفالات والأعياد
وهذا الأمر أيضا ينطبق على الأمة الفارسية التي تشكل الآرامية 80% من مفرداتها وقواعدها اللغوية
لقد شكلت الهجرات السورية من بلاد الرافدين إلى الشرق ما يعرف بحضارة عيلام التي منها نبتت الأمة الفارسية وتشكل الوطن الفارسي
والبعض يشير إلى تكرر الظاهرة في كل من أرمينيا وجنوب روسيا وأفغانستان.
يتبع
علي حسين الحموي


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء