pregnancy

لماذا لا نقرأ إلا ما يستهوينا ..؟؟









لماذا لا نقرأ إلا ما يستهوينا ..؟؟

مشكلةُ غالبية الناس أنهم لا يقرؤون إلا ما يستهويهم ، وما يتوافق مع تفكيرهم ، أو ما يعزِّز لديهم قناعاتهم المسبقة ، لذلك فانهم غالباً ما يبقون على جهالتهم . 
لا أحد منهم يريد الاطلاع على ثقافات الآخرين وعاداتهم وتقاليدهم ، أو يسعى إلى تفهُّمها ، ولا يريدون حتى أن يحاولوا ذلك .
في إحدى محطات التِّرحال المبكّرة من أجل الدِّراسة والعمل ، شاركني السكن  شاب سلقيني ( سلقين بلدةٌ معروفةٌ بجمالها الأخّاذ في الشمال الغربي لمحافظة أدلب ) ، كان مهندساً حديث التخرج لبقاً في تعامله و شديد التهذيب . 
تقاسمنا العيش معاً ما يقارب التسعة أشهر في غرفة عمَّالية ملحقة بأحد المصانع قيد الإنشاء في منطقة الشيخ نجار بحلب .
لفت نظري في الشاب ، الذي يكبُرني سناً بعدَّة أعوام ، أنه إضافةً إلى لباقتهِ وتهذيبهِ وهوسهِ الشديد بالنظافة ، كان قليل الكلام ، دائم التعبُّد في وقتِ فراغه ، يضعُ في جيبه مصحفاً صغيراً في غلاف من الجلد الأسود .
سألتهُ مرةً عن سرِّ هذا المصحف الذي يلازمهُ دائماً ويرافقهُ في حِلِّهِ وترحاله ، فأجابني باقتضاب  : 
أنا مهندس ميكانيك ، تعلّمتُ في الجامعة أن لكل آلة " كتالوج " ينظّم عملها و هذا المصحف هو " الكاتالوج "  الذي ينظم حياتي .
لم يكن من شأن إجابةٍ ساذجة كهذه ان تثيرني ، وأنا المشغولُ في ذاك الوقت بالبحث عن  إجاباتٍ مقنعة للأسئلة الوجودية الكبرى التي تؤرّقني .
ولأن من شأن الأسئلة الكبرى أن تقودكَ هي لا أن تقودها أنت ، فقد قادتني في ذلك العام فعلاً الى زيارة كل مكتبات حلب ، بما فيها المكتبات الدينية القيمة في كنيسة الأربعين شهيد في حي الجديدة ، والمعمدانية الأنجيلية في السريان ، ويسوع الناصري في الميدان ، إضافةً إلى المكتبة الوفقية في الجامع الكبير ، والمكتبة الوطنية وغيرها ، حتى أن علاقات شخصية نشأت بيني وبين القيِّمين على هذه المكتبات ، وصار بعضهم يقدِّمون لي كتباً ونشراتٍ مجانية ، ومنها كتبٌ تبشيرية كانت توزِّعها الكنائس في حلب ، مع ذلك كنت حريصاً ، رغم مضمون هذه الكتب الضعيف ، على قراءتها والاطلاع على محتواها .
 تَجمَّعَ على طاولتي في الغرفة التي أتقاسمها مع صديقي السلقيني كميةً كبيرةً من هذه النشرات والكتب التي تنتمي إلى ديانات مختلفة وثقافات  متباينة ، إضافةً إلى الكتب التي كنت أقتنيها من معرض الجامعة السنوي ، أو كان يزوِّدني بها بعض أصدقائي.  
كثيراً ما لفت نظري أن زميلي في السكن كان يتجاهل عامداً هذه الكتب أو المنشورات  ، ولم يحاول ولو مرةً واحدة الاقتراب منها ، أو الاطلاع على احداها ، ولو من باب الفضول .
فشلت كل المحاولات التي قمتُ بها كي أثيرَ اهتمامهُ بما أقرأ  ، رغبةً مني في التعرِّف أكثر على وجهةِ نظره ، فكنت مثلاً اتلو على مسامعه جملةً من هنا أو فقرةً من هناك ، أو أتعمّدُ قراءتها بصوتٍ مسموع ، أو أتقصّدُ سؤالهُ عن رأيهِ بهذه المسألة أو تلك ، إلا أنه كان يجيبني في كل مرة عن أسئلتي بذاك المثل الشعبي ، الذي ينمُّ  ظاهرهُ عن تسامحٍ كبير تجاه الآخر المختلف ، فيما ينمُّ باطنهُ عن رغبةٍ عميقةٍ بتجاهل هذا الآخر وقطع أي حوارٍ ممكنٍ معه  : ( كل مين ع دينو .. الله يعينو ) .
حدث ذات مرةٍ في خريف ذلك العام أن نسيَ صديقي  إغلاق نوافذ الغرفة قبل الخروج إلى العمل ، وقد كنت سبقتهُ إليه ، في الوقت الذي كانت فيه شاحنات كبيرة تنقلُ الرمل إلى أحدى مواقع البناء المنشأة حديثاً بالقرب من غرفتنا .  
عندما انهينا عملنا ظهيرة ذلك اليوم ، وعدنا الى الغرفة ،  كانت حاجياتنا كلها مكسوةً بالغبار ، الأسرّة والبطانيات والخزانة وأدوات المطبخ ، وطاولة الكتب التي تخصّني .
قلت لصاحبي : حسناً ، سأتصل بأصدقائي في حلب و أعتذر عن موعدي معهم هذا المساء كي نقوم بتنظيف الغرفة معاً .
قال لي : لا داعي لذلك ، إذهب الى موعدك ، سأتولَّى أنا تنظيف الغرفة ، فليس لديّ شيئ أقوم به .
حين عدتُ إلى الغرفة ليلاً وقد اقتربت الساعة من منتصفه ، كان صديقي يجلس خارجاً يقرأ في مصحفه الصغير ، وقد أنهى عمله بتنظيف الغرفة بكاملها ، الأسرّة والبطانيات والخزانة وأدوات المطبخ والارضية ، إلا طاولة الكتب التي تخصّني ، فقد تركها كما هي دون أن يمسَّها ، أو ينظِّفَ ما تراكم عليها من غبار .
قلتُ لصديقي مستغرباً :
- أراك نظفت كل شيئ إلا الطاولة والكتب ؟  
قال لي وهو يغلقُ مصحفهُ الصغير ويضعهُ في جيبه : 
- أنا لا ألمسُ هكذا كتب .. هذا حرام 

بقلم عبد الكريم حوريه

شكرا لتعليقك