الرؤية الاستشرافية في أدب الماغوط
..........................................................
كان للماغوط رؤية استشرافية لم يسبقه أحد اليها فقد توقع الانهيار العربي
وتوقع أن تصبح (إسرائيل) بلدا (شقيقا)
وتوقع أن يباع الأطفال العرب كما تباع اليوم دماءهم بالحروب الكيدية وأعضاءهم بالسوق السوداء
توقع حال مسقط رأسه السلمية وهي محاصرة بالرعب والقتل والفقر والجوع والتغريبات البعيدة والقريبة
وكيف أنها لم تستسلم ولم تأكل من ثدييها
(يحدها من الشمال الرعب ,, ومن الجنوب الحزن ,, ومن الشرق الغبار ,, ومن الغرب..الأطلال و الغربات) .
استشرف روح القتل التي داهمت أرضنا الحبيبة. بالعقول والوجوه الصفراء الدموية. والبعض أول قصيدته "القتل" الى مجزرة عقارب الصافية خصوصا جاءت بشكل غادر غير متوقع، وانها وقعت في ايار كما تشير القصيدة، وفيها ذكر لاسم سلمى؛ وبالفعل قائمة شهداء مجزرة عقارب تتضمن أسماء شهيدات نساء وأطفال .
القصيدة تعتبر تحفة أدبية حقيقية، ويقول فيها :
أتى الليل في منتصف أيار كطعنةٍ فجائية في القلب
لم نتحركْ ..
شفاهنا مطبقةٌ على لحن الرجولة المتقهقر
القمرُ يذهب إلى حجرته
وشقائق النعمان تحترق على الاسفلت
وصريرُ الحطب يئنُّ في زوايا خفيه
آلاف العيون الصفراء
تفتِّشُ بين الساعات المرعبة العاقة عن عاهرةٍ ، اسمها الانسانية
والرؤوس البيضاء ، مليئة بالأخاديد
يا رب لو تشرق الشمس ، يا إلهي لو يطلع النجم
دعه يغني لنا إننا تعساء
*.*.*
وجاء القتلة المجرمون ....
شفاه غليظة ورجال قساة
انحدروا من أكماتِ العنف والحرمان
ليلعقوا ماء الحياة عن وجوهنا
« كنا رجالاً بلا شرفٍ ولا مال وقطعاناً بربرية تثغو مكرهة عبر المآسي ..»
هكذا تحكي الشفاه الغليظةُ يا ليلى
أنت لا تعرفينها .. ولم تشمي رائحتها القويةَ السافله
*.*.*
لقد فقدنا حاسة الشرف
أمام الأقدام العاريةِ والثياب الممزقه
أمام السياط التي ترضعُ من لحم طفلةٍ بعمر الورد
تقتل عاريةً أمام الانسانية...
إنهم موتى
حاجز من الأرق والأحضان المهجوره
ينبت أمام الخرائب والثياب الحمراء
وفاه ذئابٍ القرون العائدة بلا شاراتٍ ولا أوسمه
تشقَّ طريقها على الرمال البهيجة الحاره
لا شيء يُذكر
الأرض حمراء
والعصافير تكسر مناقيرها على رخام القصر .
وداعا ، وداعاً اخوتي الصغار
أنا راحلٌ وقلبي راجعٌ مع دخان القطار ....
النزعة الاستشرافية لدى الماغوط هي حصيلة عمق هائل في التفكير وتماهي مع الوجدان الوطني العام بطبقاته المعتم عليها بالصرخات المكبوتة في أديم الأرض وفوقها، وهي أيضا برأيي المتواضع ارتباط الشاعر بإيمان رباني غير معلن وغير نمطي.
إن ما قدمه الشاعر محمد الماغوط يحتاج إلى عشرات الدراسات لاستنباط فكره ورؤيته الاستباقية وشذرات الحلول والأمل الواقعي الذي عبر عنه مرات بين حنايا قصيده
لكل هذا ترفع لهذا ترفع للشاعر والكاتب الكبير القبعات ليس لرفعة أدبه وعمق شاعريته فحسب بل لأنه وكما يصفه أحد الأصدقاء (عدنان الحموي) "كان يمثل ضمير أمة منكوبة".
علي حسين الحموي


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء