هويتنا 4
(النهضة المسيحية السورية)
..............................................
قلنا إن الانكسار السياسي لا يعني الانتهاء الثقافي وهنا يكمن دور الوطن السوري والأمة السورية التي من رحمها خرج الوطن المصري وبقية الأوطان العربية وبعض الأوطان الآسيوية.
إن ضم الوطن السوري الآرامي العربي للإمبراطوريات الكبرى الفارسية والمقدونية والرومانية لم يفقده هويته ووجه الحضاري المشرق، فبقيت الثقافة السورية المشرقية تشع داخل الكيان الإمبراطوري، وهو أمر تكرر كثيرا في التاريخ، وذكر مرارا من قبل المؤرخين.
فعلى سبيل المثال انتهت الهجمات الغوتية والكاشية بخضوع ثقافي لثقافة بلاد الرافدين في الحقبة السومرية والأكادية المبكرة.
وكذلك الأمر حينما ضمت الإمبراطورية الفارسية التي أسسها الملك قورش الوطن السوري قام الأخير بإتباع الثقافة الآرامية، فأصبحت اللغة الرسمية هي الآرامية عدا عن كونها لغة التخاطب الشعبي (بلهجاتها المختلفة) في الدولة المترامية الأطراف، حتى أطلق علماء التاريخ المعاصرين لقب "الآرامية الإمبراطورية" تعبيرا عن اتساع رقعة انتشار اللغة الآرامية في المشرق الكبير الممتد في أفريقيا وآسيا في الحقبة الفارسية.
إذن الانقلاب السياسي على للدولة السورية البابلية قابله بناء ثقافي آرامي في قلب الإمبراطورية الفارسية ومحيطها. أما التأثير الفارسي الهندوأوروبي على المجتمع السوري الآرامي فبقي طفيفا.
وتشير أبحاث المؤرخ نعيم فرح إلى أن ما عرف بالإمبراطورية المقدونية ليس سوى انقلابا في الإمبراطورية الفارسية نفسها قام به أحد أبناء ولاتها وهو الإسكندر بن فيليب المقدوني؛ وأن هذا التحرك لم يكن سوى موجة سياسية عارمة سرعان ما انتهت، وبالتالي حافظت هذه الدولة على ثقافتها الآرامية الموروثة. وحينما تقاسم قادة الإسكندر وورثته الإمبراطورية حصل سلوقس على ولاية سوريا الطبيعية بجناحيها الشرقي (العراق) والغربي (الشام) وسميت بنفس الاسم.
بعدها استطاع وريثه انطوخيوس الثالث تحويل ولاية سوريا إلى شبه إمبراطورية، وفي هذه الأثناء نشبت الحرب الابيقيرية بين الدولة الرومانية الناشئة وبين الدولة السورية في قرطاجة-تونس بقيادة المناضل هانيبال الذي استشعر بداية نهاية الوجود السوري السياسي فأبحر نحو سوريا والتقى انطوخيوس للاتفاق معه على التصدي للتمدد الروماني لكن الأخير خشي من قوة هانيبال ولم يحسم أمره.
فيما بعد استطاعت الدولة الرومانية ضم قرطاجة والمقاطعات المقدونية مكونة ما عرف بالإمبراطورية الرومانية.
ويؤكد بعض المؤرخين ومنهم الدكتور أحمد داوود أن الإمبراطورية الرومانية كانت في بنيتها الثقافية وفي أصولها العميقة سورية سريانية وان الحضور السوري السياسي الضمني بقي قائما في هذه الإمبراطورية بدليل أن الكثير من الاباطرة الرومان كانوا سوريين أو من أصول سورية مثل فيليب العربي (الذي رفض أن يلقب إلا بالعربي) وكركلا الحمصي وسيفيروس ألكسندر.
أما المد الثقافي والعلمي فقد كان بارزا أيضا في المعرفة والفلسفة والقانون وكذلك العمارة نذكر هنا أن بيروت كانت مركز الأبحاث القانونية في الإمبراطورية ومنها صدرت مجموعة القانون الروماني الطبيعي، ونذكر أيضا أبولو الدمشقي Apollodore de Damas رائد العمارة السورية الرومانية على سبيل المثال لا الحصر .
ولا بد أن نشير إلى أن الثقافة الشعبية بقيت في معظم أرجاء العالم الآرامي الخاضع للإمبراطورية ثقافة سريانية بلهجات مختلفة في حين أصبحت اللاتينية إلى جانب اليونانية هي لغة العلم والسياسة، إلا أن الثقافة السريانية ستنهض إلى العلن مع الرسالة المسيحية، فمع انتشار المسيحية وتمددها انتشرت السريانية من جديد من خلال الكنائس حتى وصلت إلى الهند. وهنا اقترنت السريانية بالمسيحية فأصبحت كل منهما تذكر بالأخرى، كما اقترنت الثقافة العربية بالإسلام لاحقا.
إن الجوهر الرباني المسيحي (الذي لحق به للأسف الكثير من التشويه والتزييف) بني على حامل قومي سوري فتشربت الديانة المسيحية وشعائرها وطقوسها بالثقافة السورية القديمة ونهلت من أفكارها وقصصها ورموزها، وهذا الأمر منحها بعدها الانساني والمحلي المسالم لكنه في بعض المواضع شوه المحتوى الرباني التوحيدي.
في الحقبة الرومانية تتجلى عظمة الأمة السورية بإنتاجها الفكري الإيماني الملتحق برسول الله عيسى المسيح عليه الصلاة والسلام، تتابع هذه الأمة نضالها الإنساني بوحي من إيمانها بالله تعالى وعقلها الجمعي ومعرفتها المجتمعية في سبيل إعلاء القيم الإنسانية السامية والبناءة والمتواضعة في الوقت نفسه، بهذا النضال القلبي العقلي يتحول العالم في غضون قرنين من الزمن إلى فضاء مسيحي تسوده قيم نبيلة تصارع قيم القوة والاستبداد والظلم .
(يتبع)
علي حسين الحموي


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء