المصطلح واضطراب المفهوم
كثيرة هي المصطلحات القلقة مفهوما، وكثيرا مايؤدّي الخلط في مداليلها ومعانيها، إلى تشكيل تصورات ومواقف متفاوتة، حول القضايا التي يتعلّق بها ،هذا المصطلح أو ذاك.
وبغضّ النظر عن طبيعة الأسباب والعوامل التي تقف وراء قلق المفاهيم واضطرابها؛ نستطيع القول أن حجم الاختلاف والتنازع الذي يحدثه هذا الاضطراب فيما بيننا، كبير جدّا. ولهذا، أخطار كثيرة، وعلى رأسها، تعطيل مفاعيل الحوار الناجح، وتمترس أطرافه ،غالبا، بمواقعهم وقلاعهم الأيديولوجية، وبالتالي، المساهمة في أجواء التشدّد والانغلاق، أكثر فأكثر!
لاتحتاج هذه المسألة؛ البحثية والمسلكية في آن معا، إلى تبرير التعرّض لها. بل لا غرابة في ذلك وإن كان الموضوع من المواضيع التي لطالما تمّ الحديث عنها كثيرا؛ لأنّ تداعيات المشكلة التي تقوم عليها، لازالت فاعلة سلبيّا في واقعنا.
من خلال مشاركاتي، ولاسيّما على صعيد وسائل التواصل الاجتماعي، لمست مدى التخبّط الذي يعتري "النقاشات" الدائرة بين أطراف "الحوار"، ومدى مساهمة ما نحن بصدده في هذا إحداث هذا التخبّط وترسيخه. طبعا، الكلام بخصوص تلك المساحات التي تحرص أساسا على أجواء معرفيّة فكرية هادئة... أما غيرها فحدّث ولاحرج، اللهمّ إن لم تكن قائمة ،أصلا، لإثارة الاختلافات، فضلا عن التسطيح واستفزاز العاطفة والانفعال!
بالمناسبة، لابدّ وأن أشيد بأجواء هذه المجموعة الطيبة، التي لمست فيها الحرص على إشاعة روح الحوار، وتقدير المواقف والآراء، دون أي مجاملة أو محاباة. ودون ادّعاء مثاليّتها كذلك.
من المقدّمات الأساسية في فلسفة العلوم، ما أطلق عليه أسلافنا؛ (المبادئ التصورية) للعلم. أي تللك المصطلحات التي تعتمد في قضايا العلم ومسائله، والتي يرتكز مدلول قضاياه ومسائله، على مدلولها قبل كلّ شيء. فلو عدنا إلى المباحث المقدّماتية التي كانت تتصدّر البحث في أي علم؛ لوجدنا مسألة تحديد المصطلح إحدى (الرؤوس الثمانية)* التي تشكّل الأرضية المعرفية الأبستمولوجية لهذا العلم أوذاك. وما ينطبق على العلوم طبعا، ينبطق على أصناف المعارف كافّة؛ سواء أكان فلسفة، أو رؤية، أو اتجاها فكريّا...
فما بالنا اليوم، نمضي في "أبحاثنا" و "حواراتنا"، بمعزل عن هذه المقدمة الأساسية، والمفروض أننا ندرك ضرورتها في إنضاج أي حوار أو نقاش، ونساهم في مشروع الفوضى الذي يعمل عليه شياطين الإنس في عالمنا؟!!
---------------------------------------------------------------------
*: الرؤوس الثمانية: تعريف العلم، واضع العلم، موضوع العلم، مبادئ العلم(التصورية والتصديقية)، مسائل العلم، الغاية من العلم، مرتبة العلم بين العلوم، أبواب العلم.
جمال صالح جزان


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء