pregnancy

تحدر النخبة الثقافية












تحدر النخبة الثقافية 
.....................................................................

ليس غريبا ما آلت إليه الأمور في بلادنا العربية، فنحن لسنا فقط متنعمين برجال سياسة فاسدين لكن بمثقفين لم يعرف النهوض يوما إلى عقولهم من سبيل. النخبة المثقفة تعد من أهم الأسباب لتخلفنا الحضاري والثقافي والمعرفي، فهي قبل كل شيء منفصلة عن شعوبها اجتماعيا؛ ومنفصمة نفسيا وفكريا، فالمثقف في العالم العربي يكتب عن الأخلاق وينصب في الوقت عينه افخاخه للمعجبات هنا وهناك، يتحدث عن الوطنية والديدان الطائفية تتساقط من اذنيه، ويقول لك يسار وعينه على آخر موديل لسيارة لا تحلم حتى بمشاهدتها.

و ما ان تلوح بوادر شهرة المثقف العربي فنانا كان أم كاتبا أو حتى راقصا حتى يتأنف عن الجمهور الذي خرج منه اصلا شعورا أو تشجيعا، ويقصي نفسه عنه في برج عاجي. وأول ما يبدأ بأصدقائه البعيدين ثم المقربين ثم أهله فأخوته، وأخيرا ابويه، فهم جميعا عنده ابناء يعقوب ووحده هز (يوسف)حتى تكفر الناس بالثقافة والفكر والفن والموسيقى وكل ماله علاقة بالكلمة او بالشعور الإنساني الحميد.

 كيف لا وقد عاينو تجربة بل تجارب مؤلمة ومحبطة مع اشخاص لم يستخدموا الشارع وآلامه ومعاناته إلا سبيلا للوصول بوعي منهم أو بغير وعي. بدليل انهم اول الامر يباشرون في نقد الحكومة ونقدها حتى تقرر الأخيرة إسناد مهمة رسمية أو تسليم منصب، حينها فقط يتحول نقده إلى تبرير وقسوته إلى لطف تم يسقط في حساء النفاق غارقا في ملذاته المغرية؛ وهكذا فإن سقوط النخبة المثقفة لا يقتصر على انفصالهم الاجتماعي والنفسي عن جماهير المجتمع بل يتجاوز ذلك الى انحرافهم عن الثوابت الوطنية و تخليهم عن هموم الجماهير العريضة.
وهناك آخرين أكثر شهرة وحداثوية لا يعجبهم العطاء بالعملة المحلية فيؤثرون متابعة النضال (بالكلمة-الدولار) في المحافل الأجنبية فتراهم في كل مؤتمر ينغلون ويغلون على بلادهم ما تيسر لهم من الغل متناسين انهم تعلمو ودرسوا فيها، ولولا أساتذة الطبشور المرهقين لما احتفت بهم السفارات، هؤلاء بقيت العالمية طموحهم في كل لحظة ليس لأنهم أهلا لها بل لأنها تثبت وتشفي عقد النقص وتورم الأنا اللانهائي عند غالبيتهم.
بهم تستطيع أن تفسر كيف غزا هتلر العالم وقد كان رساما مغمورا لبطاقات المعايدة؛ و كيف حول نابليون كل ثقافته ونرجسيته إلى حملة دموية اجتاحت أوروبا وغرب آسيا.

تعرف هؤلاء من تعجرفهم؛ بعضهم قد يكونوا فقراء مثلنا لكن انوفهم حيرت السلاطين، تعرفهم من نبرتهم المتعالية ومن ابتعادهم المقصود عن كل ما يمت للتواضع بصلة. تعرفهم من انحيازهم الأعمى لمصالحهم ومن هرولتهم إلى كل ما يعمر جيوبهم وطاولاتهم وسيجارهم، تعرفهم من تقربهم للقوي سواء كان سياسيا أو تاجرا أو عسكريا أو ثورجيا أو أجنبيا.
تعرفهم ايضا من سياراتهم الفارهة وبيوتهم المخملية وحفلاتهم الراقية.
هم مع السلطة حتى تفلس ومع اي ثورة حتى ينقطع إمدادها، ويتوقف اعتمادها.
أما الحرفية فهذا آخر ما يفكرون به ولهم معاونين مساكين عليهم يقع الجمع والتنقيح والمراسلة وغيرها من مشاق، ولهؤلاء فتات الحفلات والمنتديات وفتات النجومية أيضا.

وللحق هناك نسبة ضئيلة جدا مقبورة في الحياة هم المثقفون العضويون هؤلاء لم يتخلوا يوما عن ناسهم وشعبهم، وما فصلوا يوما مصيرهم عن مصير الشعب المكافح لقوت يومه واستمرار بلادهم؛ هؤلاء القلائل غير المتحفى بهم على منابر الثقافة العاجية، هؤلاء يعيشون في الظل بأقل الحال؛ يعملون في مهن أخرى غير ما فطروا عليه هؤلاء ليعيلوا أسرهم المتعبة أيضا.  بقوا مخلصين لصفحاتهم ولحبرهم الذين خطوه من اوردتهم. لولا هؤلاء ومعظمهم من المهمشين الذين تضيق صدور الصحف بهم لماتت الكلمة ولصدقت الناس أن الحياة قبيحة وغير عادلة وعبثية كما يروج لها شياطين العصر.

ان الحقيقة المؤكدة عن النخبة المثقفة ليست مجلداتهم ولا نصوصهم السرية بل هي أنه لا يمكن للشعب ولا المجتمع التعويل في النهوض على هؤلاء، فهم ليسوا منه وهو ليس منهم ومصالحهم متغايرة لا بل متعاكسة، ولهذا لا ضير أن نبقي على مسافة أمان كافية حتى نأمن الحواة والسحرة. 

علي حسين الحموي






شكرا لتعليقك