الذاتي والاجتماعي
حيوية الارتباط في عمليّة التغيير
إن أيّ عملية نتفاعل فيها نحن البشر، مهما كان مجالها وميدانها؛ لابدّ لها من قاسم ،أو قواسم مشتركة. اذ لايمكن لنا المضي بعمل يجمعنا، وينهض بما نريد، دون وجود ما نشترك عليه.
من الطبيعي أن تبدأ دائرة المشتركات مما يخالج الوجدان، ويلامس حقيقة النوع الذي ننتمي اليه. أي ما جبلنا عليه، ويمثّل المقوّم الذي نستطيع ،من خلاله، الانتساب الى الإنسانية... ولعل دائرة المشتركات هذه تتسع بعد ذلك، تبعا لعوامل عديدة؛ معرفية، وعقدية، واجتماعية. ومادية... ولكنها في اتساعها هذا، قد تكون صحيحة تتناغم وما فطرنا عليه، وقد تكون خاطئة تنحرف بأصحابها عن تلك الجبلّة، وقد تمزج بين هذا وذاك.
ربما استطعنا من خلال التفاعل العاطفي، والعودة إلى ذواتنا في مواقف وجدانية، نكون فيها في مكاشفة مع النفس، أن نعيش صدق استعدادات الفطرة وصفائها... إلا ان الاعتماد على مثل هذا التفاعل العاطفي اللحظي، لتغيير واقعنا وإثرائه إنسانيّا، لن يجدي نفعا، طالما كانت البنية الاجتماعية القائمة وأنظمتها، تتعارض وما ينطلق منه ذلك الشعور، وتلك العاطفة النبيلة... لأن الإنسان -شئنا ام ابينا- يمضي في بناء علاقاته كافة على إيقاع الحاضنة التي يعيش فيها. ولهذا، لن يكون للعاطفة الداخلية، التي تصحو في لحظات الوجد والصفاء، أثر تغييري، في ظل هيمنة التركيبة الاجتماعية الملوّثة. وهذا ما يبتعد بالمحتوى الأصيل للإنسان عن دائرة التأثير والفاعلية في سلوكه، وتصرّفاته، وبناء علاقاته بالآخر، وبالطبيعة. بل إنّ مصير هذه التركيبة التسلّل إلى داخل الإنسان واحتلاله بالكامل، والفصل بين الإنسان وحقيقته، فيغيب عن ذاته!!
ولعلّ أكثر مايدلّ على غياب الإنسان عن جوهره وفطرته؛ هو شعورنا بالغرابة والاستهجان، تجاه الكثير من تصرفاتنا التي نندم على فعلها؛ حيث نكاد لانصدق ما اقترفته أيدينا، حينما نتذوق يقين العودة إلى الفضيلة في أعماق أنفسنا.
إنها البيئة إذن... ذلك الميدان الذي يمتدّ متسعا لأشرف ملاحمنا الوجودية! ههنا، تتجلى قيمة الإنسان الكبرى وتكامله الحقيقي، حيث المعاناة وآلام مخاض التغيير.
قد يرى الكثيرون مبالغة، أو مثالية في دعوتي هذه... لكنني إذ أتفهّم الدعوة إلى الواقعية، وضرورة مراعاة أولويات التغيير؛ أصرّ على أن الإنسان لن يمتلك القوة الدافعة، والإخلاص الذي يمدّه بالإرادة والاختيار... ما لم يعرف نفسه، ويعيش صدق كينونته، ليعي موقعه ودوره.
طبعا، لن يكون إدراك منظومة التغيير الصحيحة، والإحاطة بأسسها النظرية، مهمة بسيطة سهلة! بل ينبغي أن نوطّن أنفسنا أنها المهمة الصعبة، والامتحان الأكبر في معركة وجودنا. خاصة وأننا ننتمي إلى منظومات وأيديولوجيات متعدّدة... ربما جعلتنا الألفة بها من المتعصّبين لها، ولم يعد من السهل الاعتراف بقصورها، أو عجزها! هذا من جهة، ومن جهة أخرى، باتت حياتنا تخضع لنظم اجتماعية واقتصادية وسياسية، لسنا منها وليست منا... كل ما في الأمر أنها تعبّر عن هيمنة فرعون العصر وجبروته!
عندما تترجم مكنونات الفطرة على الصعيد الاجتماعي، وتبنى النظم الاجتماعية بالعودة إليها... نصل إلى المجتمع الذي يليق بالإنسان. والرؤية التي تنهض بهذه العودة؛ هي التي تستطيع احتضان البشر جميعا أينما كانوا.. وهي التي تستحقّ الانتماء.
جمال صالح جزان


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء