الإنسان كائن كوني
..................................................................................
ماذا يعني أن نفقد طاقتنا ؟ وان تصير محصلة استطاعتنا صفرا ؟
يعني بكل بساطة أننا غير موجودين؛ وان الموت يؤجلنا إذ لا نفع من حياتنا ولا جدوى من أنفاسنا؛ وكأن القدر يخيرنا بين أن نكون أو لا نكون.
سنتذكر ربما قبل الوجود أو بعده أننا كنا موجودين ذات مرة في هذا الكون الرباني العظيم ليس على هيئة عشب بري ولا فراشة عابرة ولا سلحفاة عتيقة بل على هيئة إنسان، كنا بشرا في هذا الوجود ننظر نرى نفكر ونتفس، ندرك الحقائق ونتعلم ونعلم.
ليس هينا انك إنسان، إن كل إنسان هو فرصة متجددة للبشرية وللكون كله.
بدون تكبر أو افتخار نوعي نحن أفضل الكائنات على وجه البسيطة من حيث التعقل واستخدام الأداة والجمال أيضا. وإذا فقدنا الطاقة الحيوية أو أبحرنا عكس التيار فإن كل تعقلنا سيمسي جنونا، وكل جمالنا سيصبح قبحا.
وكما يقول الرسول عيسى المسيح عليه الصلاة والسلام (فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ!) (متى 6: 23)بمعنى كم ستكون العتمة شديدة.
إن اليوم الذي يمضي من أعمارنا لا يمكن أن يعوض فما بالك بوجودنا كله، نحن لسنا مجرد أفراد وتعداد رقمي في لائحة الأحياء، نحن طاقة إنسانية هائلة يمكن أن تغير العالم والكون لما هو أفضل وأسمى، ويمكن أن تكون طاقة تدمير كبرى تنهي الوجود الإنساني ووجود الأنواع الأخرى للأبد.
لسنا مجرد أرقام في هذا السجل أو ذاك نحن كائنات كونية هادفة تؤمن بالمحبة والعلم والمعرفة والتطور وتتصل مع القدير المبدع ألله تعالى.
وإلا لن نكون إلا قتلة مرتزقة على معالف الإمبريالية التي تخطط صهيونيا لحروب أخرى ودمار أوسع ومآسي لا تنتهي، أو في أفضل الأحوال مستهلكين نهمين لا يشبعون من الطعام والشراب واللذات المدمرة.
لا يمكن أن ينشأ السلام على هذا الكوكب الجميل إن لم يدرك الإنسان كنه وجوده لا كفرد صدف وجوده في هذا الزمان وهذا المكان؛ فليس ثمة صدفة في هذا الكون، وكل منا يمثل أملا وخطوة للأمام بالوعي الإنساني المتصل بالله غير المنقطع عنه. اوخطوة للوراء بل ربما كان كارثة إذا ما افتقدنا هذا الوعي أو شوهناه.
كل منا فرصة لخلاص الإنسانية إذا تنبه لذاته ولمن حوله باحترام وتقدير، هنا يصبح التواضع أكثر من ضرورة ليس لأنه يمثل جسور محبة وحسب بل لأنه يمكن التقاطعات وتشابك الشرايين والقلوب حتى يغدو الجميع كلا واحدا ويخجل الأناني فيعود إلى رشده أو يهرب.
إنها لحظة الحقيقة أن نعيد النظر إلى أنفسنا هذه المرة من مرآة وعينا الكوني الإنساني الشريف، لندرك حقيقتنا الصحيحة أننا لسنا أسماك برية تطورت ويلتهم بعضها البعض.
وإن ندرك أيضا أن انسانيتنا على محك خطير، وأننا جميعا الجيل الذي اختير لهذا الزمن الصعب الذي شحنت فيه القنابل النووية ودربت فيه الجيوش على حرق المدن والغابات وانشبت فيه الحروب الأهلية دون رحمة أو شفقة، واستحضرت أجساد القتل من العصور الوسطى لتفتك بكل ما هو حي وجميل.
إننا في زمن تزحف فيه الحروب والمؤامرات في كل صوب، وقد يكون من الصواب، والصواب جدا أن نعي جيدا ما نكون.
إن خيارنا بأن ندرك كيونتنا له علاقة وثيقة بادراك هدفنا البعيد اي تطورنا وصيرورتنا، فلا يجب أن ننظر إلى الكون كمستعمرة شهية للثروات بل علينا أن نطمح للانسجام مع الكون ابتداء بانسجامنا مع الطبيعة وانسجامنا مع أنفسنا أولا.
بذلك ستصبح طاقتنا حيوية ومُحبة وموحدة في آن معا تتناول الوجود كوحدة ربانية متكاملة، ستكون طاقة متجددة باستمرار يدفعها الصلة مع الله، وشغف المعرفة والتطور، والحب في الوقت نفسه.
إنها رحلة شاقة وطموحة لا تعرف المستحيل أن ندرك حقا أننا نحن الطريق.
علي حسين الحموي

خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء