pregnancy

على بعد عشرة آلاف عام من الطوفان العظيم







على بعد  عشرة آلاف عام  من الطوفان العظيم ..!!
.......................................................................................

كمن يدخلُ إلى مقهى ، أفتحُ يومياً صفحتي على الفيسبوك ،  وأتحدثُ مع أصدقائي قليلاً عن أحوالنا التي لا تسرُّ ذبابة ، فيقاطعني النادلُ وبعض الزبائن: 
- اسمع يا هذا ، لم نعد نثقُ بأحدٍ أو بشيء ، جرَّبنا الاشتراكية والقومية و "الإسلام هو الحل" ، وها نحن الآن نغفو كالصيصان في أحضان العولمة و" الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" 
دفعنا ثمناً باهظاً من أجل الوحدة العربية ،  فانتهى بنا المطاف إلى رايةٍ فوق كل بيت ، ونشيدٍ وطني لكلِّ شارع ،  وجيشٍ - أو أكثر - لكل حيٍّ وقرية .  
- دفعنا ثمناً باهظاً من أجل الاشتراكية ، فانتهى بنا المطاف إلى مدنٍ مريَّفة ، وأريافٍ محترقة ، و بنكٍ موحد لكل بضعة لصوص،  وجيوشٍ من الفقراء والمعدمين والعاطلين عن العمل والأمل.
- دفعنا ثمناً باهظاً لبناء جيوش جرَّارة ،  فانتهى بنا المطاف إلى أن يُخطف واحدنا من أمام منزله أو من فراشه ليلاً ، فلا يجرؤ شرطيُّ الحيّ أن يسأل  الخاطفَ ( ماذا تفعل هنا يا حبيبي في هذا الهزيع الأخير من الليل ) ؟ 
- دفعنا ثمناً باهظاً لأن القدس تقعُ جنوب القلب ، ولأننا أردنا القلبَ كلَّهُ ، لا بعضهُ ولا نصفهُ ،  فتاهت بنا الدروب شمال البلاد وشرقها ، حتى  فقدناها كلَّها ، لاجبلٌ ولا بحرٌ ولا شطٌّ ولا بطّ .
- دفعنا ثمناً باهظاً في خريفنا العربي الشمولي ، الاستبدادي ، الفاسد ،  ودفعنا ثمنا أفدح في ربيعنا المدني ، الديمقراطي ، التعددي ، حتى احتارت فينا الفصول " والفصائل " واجتمعت علينا كلَّها .  
 وقفتُ على طاولة بين زبائن المقهى ، وشمَّرتُ عن ساعديَّ مبتسماً مثل أبلهٍ حديث الولادة ، ورسمتُ في الهواء خطَّين متوازيين قائلا لهم : 
- هذا هو خطُّ الحاضر ، وهذا هو خطُّ المستقبل ، وها نحن الآن هنا عالقون جميعاً في المنتصف ،  في هذه المرحلة التَّامةِ الليل ،  على شفا اللاتوازن .
- لم نفهم شيئاً ! قال الزبائنُ المنصتون .
- قلتُ لهم :  عليكم ألا تقطعوا بيأسكم خطَّ المستقبل ، وألا تتركوا خطَّ الحاضر سائباً على هواه ، مُنفلتَ الزِّمام !
كان في المقهى زبونٌ نائمٌ منذ عشرة آلاف عام ، سقطَ سهواً من سفينة نوح ، تثاءبَ طويلاً ثم قال : 
- ومن يضمنُ ذلك ؟ 
- الدولةُ الحارسة ، قلتُ له ! 
- وما هذه " دولتكَ الحارسة " ؟ ومن ستحرسُ ، وماذا ؟ ومِمَّن ؟ وأين هي ؟ بعد عشرة آلاف عامٍ على الطوفان العظيم . 
جفلتُ ، ليس لأن السؤالَ كان مباغتاً أكثر مما يجب ، بل لأن نوحاً نفسه حضر إلى المقهى حينها ، وجرَّني من ياقة قميصي إلى سفينته ، ووضعني بين زوجين من الحمير الفتية ، وأمطرني بطوفانٍ من الأسئلة المحرجة : 
- عن هذا الذي يحدثُ هنا على هذه الأرض ، عن مصير مخلوقاتهِ التي انتقاها بعناية ، عن عشرة آلاف عامٍ كاملة بعد طوفانهِ العظيم ، عن الجدوى مما فعلهُ ، عن خيبتهِ العظيمة ،  و عن ندمهِ العظيم ؟ 
- أما من طوفانٍ آخر ياسيدي ، أما من سفينة جديدة ؟ سألتهُ. 
رمقني بنظرةٍ غاضبة ، فسقطتُ من سفينتهِ القديمة على أرض المقهى مغشياً عليّ .


أ.عبد الكريم حورية
شكرا لتعليقك