تعالوا_إلى_كلمة_سواء
......................................................................................
في ظلّ اشتداد حدّة الاستقطاب في ساحتنا الإقليمية على غرار ما سمّي ب"الربيع العربي"، وما كشفته أحداثه وويلاته من توفيقية هشّة، مضت على أساسها مجريات حياتنا في الحقبة الماضية؛ يعود سؤال النهضة من جديد ليطرح نفسه ويحتلّ ميدان الشعور والمباشرة التفاعليّة؛ الفكريّة منها والوجدانيّة، ويضعنا أمام تحدّ مصيريّ.
هذا التحدّي الذي قد يرى فيه البعض تعبيرا عن معضلة غير قابلة للحل، إذ لطالما تمّ تداولها والسجال حولها دون جدوى!!
وفي الحقيقة فإنّه رغم الآلام والأزمات التي يذكّرنا هذا السؤال بها ويحملها في طياّته، فإنه يمثّل فرصة تاريخيّة أمامنا، لعلّنا نتمكّن من القيام بمراجعة تأصيليّة جادّة نتسلّح بها للحاضر والمستقبل، ونتفادى الثغرات التي وقع فيها عقل المنطقة، إثر الصدمة الحضاريّة التي تعرّض لها منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وما تلا ذلك من مخاض مع فكر الحداثة وعقلها، لم يقتصر على الجانب الفكريّ والمعرفيّ، بل امتزج بهيمنة استعمارية أثقلت كاهل منطقتنا بقضايا مصيريّة وجودية، وفرضت أولويّاتها غير عابئة بالحراك الإنساني الحر والأطر التي يستطيع من خلالها المضيّ بصورة طبيعيّة لتحقيق الآمال وتقرير المصير. فيحسن بنا الاستفادة من الدرس جيّدا، والابتعاد عن كل ما يعيدنا إلى المربّع الأول، علّنا نجترح رؤية تمثّل (عقدا اجتماعيّا) جديدا، نبني على أساسها مجتمعاتنا وأوطاننا البناء الإنسانيّ الحضاريّ المنشود.
في هذا الصدد، لابدّ من التذكير بمسلّمتين أساسيّتين، تجسّدان الإطار الأوّليّ الضروريّ، ضمانا لسلامة الانطلاق، ومن ثمّ طيب النتائج:
٠الأولى: استحالة المطالبة بوحدة انصهاريّة تذوب فيها الاختلافات والخصوصيّات؛ وذلك لاستحالة إلغاء الانتماءات والأيديولوجيّات بكافّة تلوّناتها؛ الدينية، والفلسفية، والقوميّة، والسياسيّة... فالتجربة البشريّة -سواء في منطقتنا أو في سائر أنحاء العالم- أكّدت ،عبر تاريخها، عدم إمكانية تجريد الإنسان من الانتماء وتبنّي إلى رؤية ما، يحدّد من خلالها دوره، ومكانته، وعلاقته بالآخر، وغايات وجوده في هذا الكون...
٠الثانية: لابدّ من خلق البيئة الحاضنة للجميع؛ تلك البيئة التي لاينبغي لأيّ انتماء أن يختزلها في أسسه ومبادئه، بغض النظر صحّته وحقاّنيتهّ؛ ذلك أنّ أيّ تحيّز أو إقصاء في هذا المجال، هو أول الوهن!! باعتباره تأسيسا لعقلية القمع وسحق الإرادة الإنسانية ومصادرتها...
بمراعاة هذين المرتكزين وجعلهما القاعدة والمنطلق لمنظومة التشريع والإدارة في حياتنا، نكون قد امتلكنا المبرّر؛ المنطقيّ؛ والواقعيّ؛ والإنساني لبناء الدولة الأمّ التي تحتضن الجميع، ويعمل فيها الجميع.
علما بأنّ مثل هذا الأفق لايقتصر في دوره على منح جميع الفئات دورا في بناء الكيان الاجتماعيّ فحسب، بل يمثّل البيئة النظيفة والأرض الخصبة لتلاقح الأفكار، والفرصة المثلى للوصول إلى مزيد من المشتركات الجامعة.
جمال صالح جزان

خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء