pregnancy

أنسنة الدولة السورية








أنسنة الدولة السورية 
.....................................................................................

رغم كل الآلام والمآسي التي خاضها المجتمع السوري إلا أنه عموما استطاع أن يعبر عن تطلعاته (من خلال وسائل التواصل الاجتماعي) نحو تجاوز الأزمة ومحو آثارها والبداية من جديد، صحيح أن هذا التعبير بقي محاطا بالخوف من الرقيب، وبالكثير من التشاؤم والكلام غير المسؤول إلا أنه إجمالا كان مشحونا بالتحدي والعنفوان وإرادة الحياة.
وللحق حاولت الحكومة السورية إبراز رغبتها في البدء بإعادة البناء واستئناف المصالحات الوطنية وإطلاق مشاريع إعادة البناء.
كل هذا لا يكفي فالمسألة لا تتعلق فقط بإعادة الإعمار المادي بل هي قبل كل شيء تتعلق بإعمار ما لحق بالإنسان والمجتمع السوري من خراب، ومن انهيار في الثقة، وشعور مهول بالانسحاق أمام الفقر المدقع وقوة السلطة من جهة وضعف القانون من جهة اخرى، لهذا فإن إعادة البناء تبدأ أولا وقبل كل شيء مع إعادة مفهوم المواطنة بعد أن هدمته الأزمة والحرب. فالمصالحات الوطنية تأخذ بعدا عميقا ونهضويا حينما تقترن بإعادة الثقة المتبادلة وإعادة الاعتبار لقضية المواطنة، فلا معنى للمصالحة إن كانت مبينة على الخوف أو الضغط أو كانت مفرغة من مضمونها الحقوقي والقانوني

إن الواقع المادي المزري واستمرار المعارك في البلاد لا يبرر غياب المغزى الإنساني في الحياة السورية ابتداء" من المنزل الصغير إلى المؤسسة الحكومية للبلاد كلها
وكلنا يعلم أنه كلما ارتقى البعد الإنساني في الحياة الرسمية والمجتمعية ازداد تعلق الناس بوطنهم، وبالتالي ازدادوا قوة ومنعة في وجه ما يحاك وينفذ
إن الواقع السوري مهيأ لوثبة حضارية طاقتها قوة التحدي لدى المجتمع وإرادة اللحاق بما فات، وهو منوط بأداء الحكومة وقدرتها على تلبية المطلب الجماهيري إلى واقع استهلالي ومن ثم إلى منظومة ارتقاء نوعي وكمي متواصل وبالوقت نفسه مرهون بمدى اهتمام المجتمع السوري بمناهضة الانحراف والفساد الذاتي والحكومي؛ وهذا بحد ذاته كفيل بتصحيح الكثير من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها الجميع، وإلغاء التشويه الداخلي الذي لحق بالفرد والمجتمع، وبالتالي عودة الغالبية سواء من المعارضة أو الموالاة إلى رشدهم، فالخطوات المتزنة وفي الاتجاه الصحيح ستجذب إلى الخط الصحيح كل المشككين والمترددين وستقوم اعوجاج بعض المعارضين الذين رموا أنفسهم في أحضان الغرب وكذلك اعوجاج بعض المؤيدين الذين تعاملوا مع الدولة كمطلق لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه

لنجاح هذا لابد أن نتجاوز أنفسنا ولو بشكل جزئي، أن نفكر إنسانيا بذهنية الآخر المخالف لنا بالرأي لنعرف هواجسه تخوفاته وآماله.
علينا أن نحول الضعف القانوني إلى قوة ومنعة تحمي المواطنين جميعا، يجب ألا يكون القانون في سوريا عبارة عن أشخاص متنفذين يمكنهم تمرير ما يشاؤون ومنع ما يشاؤون، بل علينا أن نعمل جميعا ليكون القانون نصوص مطبقة وحياة حقيقية لا يمكن اختراقها أو تجاوزها بأي شكل من الأشكال
فإذا استطعنا أن نتجاوز الماضي وآلامه فإن القارب السوري لن يبقى قارب لجوء على السواحل الأوروبية بل سيتحول إلى سفينة نجاة متقدمة عربيا عن سواها في حال أطلقت طاقات المجتمع السوري بشكل إيجابي
 وما أدراك قد يتحول السفين إلى فلك يمخر عباب النضال فيكون فاتحة لتخليص العالم من الكابوس الصهيوني، وهوليس على الله بعزيز

إن لم يتمخض هذا الألم عن أمل إنساني فنحن إذن في القاع، وكل المساعي للبناء المادي ليست في الحقيقة إلا مقاربة لحل ظاهر المشكلة وليس جوهرها الذي يكمن في أنسنة الدولة السورية. فالإنتصار الحقيقي يكمن أيضا في إعادة الاعتبار للمواطنة، فكل ما حصل يمكن تأويله في غير مصلحة الحكومة اذا ما الأخيرة تقاعست عن هذه القضية الجوهرية التي تمس كل الشرائح والأطياف. والعكس صحيح اذا ما تم إعلان الحرب على الفساد وعلى كل المنتهكين لكرامة الإنسان السوري فإن كل الظنون والاتهامات ستسقط

المساعي ستبقى ناقصة إن لم تعزز بمناخ عام إيجابي لا يقوم على التخويف بل على العزم على بناء الإنسان من جديد معنويا ثم ماديا وإعادة تكوينه علميا ومهنيا وثقافيا والبدء بتمكين القانون وإعادة تنقيح القطاع القضائي والارتقاء بالمستوى الاقتصادي للمواطن والعمل على قوننة المؤسسات الأمنية والشرطية بحيث لا يسمح لأي تجاوزات شخصية خارجة عن بالقانون، وبالمقابل يجب التصدي للقوى التي تسعى لتدمير الدولة سواء كانت قوى فوضوية أو إرهابية مرتبطة
إن تمكين الحياة القانونية يمكن أن يكون الأساس الذي  تقوم عليه الحياة السياسية مستقبلا في سوريا بمزيد من التشاركية والتعددية والتشاور ضمن مجلس سياسي منتخب، بحيث يتحول معها الانهيار إلى وثبة عملاقة نحو الأمام. معها ستظهر البطولات والمواقف الفردية في إطارها المجتمعي سواء على مستوى المسؤولين أو الشعب
إن الأنسنة رحلة جد قاسية مع أنفسنا رحلة شجاعة متبصرة، وهي حرب تفاصيل صعبة بطعم العلقم إلا أنها الكفيلة ببناء الإنسان قبل البنيان، وفيها تكمن قيامتنا.

علي حسين الحموي
شكرا لتعليقك