pregnancy

طائر تونس الحر الخالد الشاعر أبو القاسم الشابي





طائر تونس الحر الخالد

 الشاعر أبو القاسم الشابي
.......................................................................................

إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة  *  فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ

ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي  *  ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ

ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة  *  تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ

كـــذلك قــالت لــيَ الكائنــاتُ  *  وحـــدثني روحُهـــا المســـتترْ

ودمــدمتِ الــرِّيحُ بيــن الفِجـاج  *  وفــوق الجبــال وتحـت الشـجرْ

إذا مـــا طمحــتُ إلــى غايــةٍ  *  ركــبتُ المُنــى, ونسِـيت الحـذرْ

ولــم أتخوف وعــورَ الشِّـعاب  *  ولا كُبَّـــةَ اللّهَـــب المســـتعرْ

ومن لا يحب صعود الجبال  *  يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ

فعجَّــتْ بقلبــي دمــاءُ الشـباب  *  وضجَّــت بصـدري ريـاحٌ أخَـرْ

وأطـرقتُ أصغـي لعزف الرياح  *  وقصف الرعود ووقع المطر

وقـالت لـي الأرض لما تساءل  * تُ : يا أمي هل تكرهين البشر ؟

أُبــارك فـي النـاس أهـلَ الطمـوح  *  ومــن يســتلذُّ ركــوبَ الخــطرْ

وألْعــنُ مــن لا يماشــي الزمـانَ  *  ويقنـــع بــالعيْشِ عيشِ الحجَــرْ

هــو الكــونُ حـيٌّ يحـبُّ الحيـاة  *  ويحــتقر المَيّت المندثر

فـلا الأفْـق يحـضن ميْـتَ الطيـور  *  ولا النحــلُ يلثــم ميْــتَ الزهـرْ

من بلاد العلامة ابن خلدون ، تونس البهية الخضراء ، نقف بكم عند شاعر الوجدان والثورة والحياة ، شاعر القيد المنكسر ، والألم المندثر ، الرجل الذي غنى للحياة والموت ، شاعر تونس الخالد أبو القاسم الشابي .

من هو أبو القاسم الشابي ؟

هو أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم الشابي ، ولد سنة 1909 في منطقة الجريد على مقربة من بلدة توزر التونسية . تلقى علومه الأولى على يد والده الذي اشتغل بدار القضاء ، ويقول أبو القاسم عن والده : ‘ إنه أفهمني معاني الرحمة والحنان ، وعلمني أن الحق خير ما في هذا العالم ، وأقدس ما في هذا الوجود  ‘ .

في سنة 1920 التحق الشابي بجامعة الزيتونة أين نهل من شتى العلوم وأصنافها ، وقد كان شغوفا بالمطالعة والغوص في أعماق الكتب ، كما نهل من أدب النهضة الشيء الكبير ، وعلى غرار الشاعر جبران خليل جبران ، تأثر بأدب الرومنطيقية الفرنسية ، فقد شدته كتب الغرب الأدبية التي ترجمت إلى العربية .

في عام 1928 تزوج أبو القاسم تلبية لرغبة والده ، ورزق طفلين ، ليفجع بعدها بعام بوفاة والده ، الشيء الذي قلب حياته رأسا على عقب ، وبدت له ظلال التشاؤم واليأس تحيط بحياته ، إذ كان والده يوفر عليه كل ضروريات العيش ، وبما أنه الأكبر بين إخوته ، فقد تولى أبو القاسم رعايتهم ، متحملا أعباء المسؤولية بنفسه . هذه الصدمة خلفت ألما عميقا في نفس الشاعر  ، وانعكس ذلك في قوله :

يا موت قد مزقت صدري   *  وقصمت بالأرزاء ظهري

وفجعتني فيمن أحب  *  ومن إليه أبث سري

وأعدّه غابي ومحرابي *  وأغنيتي وفجري

ورزأتني في عمدتي  *  ومشورتي في كل أمري

ويبدو أن تأثير  وفاة والده قد فاق التصور ، إذ أصيب في العام نفسه بداء تضخم القلب ، ولم يكن قد تجاوز الثانية والعشرين من عمره ، واشتدت عليه الآلام حين لم يأخذ بنصائح الأطباء له بالإخلاد إلى الراحة ، وأصرّ على مواصلة عمله وفي نفسه ثورة على الحياة .


مؤلفات أبو القاسم الشابي

بالرغم من أن الشابي مات وهو في ريعان شبابه إلا أنه خلّف عددا كبيرا من  الآثار الأدبية ، والتي تنمّ عن عبقرية فذة تفوق فيها الشاعر وبقوة على أقرانه من الأدباء والشعراء ، ويمكن تقسيم قصائد و مؤلفات الشابي إلى :

1 – آثار مطبوعة :

– أغاني الحياة : وهو ديوان مهم اعتنى الشاعر بترتيب قصائده وتنقيحها .

– الخيال الشعري عند العرب : محاضرة ألقاها الشابي في القاعة الخلدونية بدعوة من النادي الأدبي لجمعية قدماء متخرجي مدرسة الصادقية .

– يوميات الشابي : وهي مذكرات نشرت في الدوريات والمجلات قبل موته وبعده .

2 – آثار مخطوطة :

– جميل بثينة ( قصة ) .

– صفحات دامية ( قصة ) .

– المقبرة ( رواية ) .

– السكّير ( مسرحية ) .

– مجموعة من الرسائل .

– مذكرات الشابي .

المعاني الوطنية في شعر أبو القاسم الشابي:

لقد حمل الشابي في قلبه حب الوطن ومحاربة التخلف والجهل ، إذ أدرك جليا مدى خطورة الأفكار والسيطرة الاستعمارية على العقول وحشوها بكل ما يبقيها فقيرة جاهلة وجائعة ، فثار رغم آلامه ومرضه يزرع الحماس في قلوب المواطنين ، ويوقظ الضمائر المسلوبة الإرادة ، ويدعو بنهضة وثورة على الجهل والذل والظلم ، وقد عانى كثيرا أمام صدود غالبية الناس واستنكارهم لأفكاره ، يقول الشابي :

أيها الشعب ، ليتني كنت حطابا  *  فأهوي على الجذوع بفأسي

ليتني كنت كالسيول إذا سالت  *  تهدّ القبور رمسا برمس

ليت لي قوة العواصف يا شعبي  *  فألقي إليك ثورة نفسي

ليت لي قوة الأعاصير  لكن  *  أنت حي يقضي الحياة برمس !

وفي قصيدة ‘ تونس الجميلة ‘ يصور حياة التعسف والاضطهاد التي يعانيها مجتمعه ، فيقول :

لَسْتُ أبْكي لِعَسْفِ لَيْلٍ طَويلٍ  *  أَوْ لِربعٍ غَدَا العَفَاءُ مَرَاحهْ

إنَّما عَبْرَتِي لِخَطْبٍ ثَقِيلٍ  *  قد عَرانا ، ولم نجد من أزاحهُ

كلّما قامَ في البلادِ خطيب  *  مُوقِظٌ شَعْبَهُ يُرِيدُ صَلاَحَهْ

ألبسوا روحَهُ قميصَ اضطهادٍ  *  فاتكٍ شائكٍ يردُّ جِماحَهْ

ضَيَّعَ الدَّهْرُ مَجْدَ شَعْبِي وَلكِنْ  *  سَتَرُدُّ الحَيَاة ُ يَوماً وِشَاحَهْ

مصادر

شكرا لتعليقك