سوريون
.......................................................................................
فجأةً... فإذا أنا أمام لجنةٍ فاحصةٍ.. وطوابير من الناس . لما استفسرتُ..!! تبيّنَ ، أنه الاختبارُ للحصول على الجنسية السورية.. ورغم اجتيازي الآلاف من الاختبارات في حياتي ، إلا أنّي مازلتُ لا أحبُّ الاختبارَ . سَرَتْ في جسمي قشعريرةُ الخوف... وماذا لو رسبتُ بالامتحان ، ولم تمنحْ لي الجنسية ؟؟ فأين أذهبُ ؟..
يا إلهي !! وأنا الذي لم أفكرْ يوماً إلا بالجنسية السورية ، ولم يخطرْ ببالي لحظةً أن أحملَ سواها ، رغم كل فرصي الذهبية وإمكانياتي ؛ لأحصلَ على أي من الجنسيات العالمية ، التي يحلمُ بها معظمُ الناس... وما فعلتُ.. ولن أفعلَ.. وما ندمتُ !! شاهدتُ العديدَ من البشر... كانت وجوههم كالحةً ، لأنهم سقطوا في الاختبار ؛ وأعرف أنهم ولدوا على الأرض السورية ، وأقاموا عليها ، وتنعّموا بخيراتها وهوائها لأكثر من خمس سنوات ميلادية .
ازدادَ خوفي من صعوبة الامتحان ، ولما جاء دوري... كانت اللجنة مكونة من ثلاثة أشخاص... وأنا في قمة الارتباك والاضطراب... سأل رئيسُ اللجنة ، بعد أن سجّلَ المعلومات اللازمة :
من هو السوريُّ ؟؟؟
وأردفَ : يمكنك أن تجيبَ بأي طريقة أو أسلوب ، شرط أن تقنعَ اللجنة ، وتجتاز الامتحان بنجاح... هدّأتُ نفسي قليلاً... استعدتُ قواي النفسية...
وقلتُ : أينما يعيش السوريّ ؛ سواء على الأرض السورية ؛ أو في أي بقعةٍ من الكرة الأرضية ، ويستمعُ لشيخ الطرب الحلبي صبري مدلّل
" يافاتن الغزلان " أو " ابعتلي جواب " والموشحات الحلبية الأخرى.. ولايشعر بالسلطنة.. وطرب الروح.. والتحليق في الأجواء السماوية... بعيداً عن ضجيج الدنيا ،
أو يستمع للمطرب الكبير صباح فخري يغرّدُ..ويصدحُ.. ويغنّي القدود الحلبية والأغاني الطربية... ويرقص وهو يغني ويزقزق ، كبلبل صداح " يامال الشام ... وقدك المياس" ولا يسكر دون خمر... أو يحلم دون نوم... أو تعزف أرجله بحنانٍ ترجمةً ، لما يدور في جسده .
أو يستمع لغناء معن دندشي في رائعته " ياطير سلملي على سورية " ، ولا يشعر بأنه فوق بساط الريح ، يحمله لكل المدن والبلدات السورية (من درعا مروراً بدمشق و حتى الحسكة في الجزيرة السورية) ؛ بصوته الحنون والقوي ، أو يسمع أغنيته " سمعت عنين الناعورة "... إلا و يحسّ بحالة الأنين و العشق بين ماء العاصي ونواعير حماة .
أو يسمعُ الصوت الحموي الرخيم لنجيب السراج ، وهو يغنّي :
" فوق النخل يا سليمى ، وأدمنتُ حبك دمشق "... ولا يشعر بعذوبة الإدمان على حب دمشق وغوطتها الغناء . أو يسمع الصوتَ الدافئ والقوي والرائع للمطرب الراحل فؤاد غازي ، وهو يصدح
" لازرعلك بستان ورود " ، ولا يتخيّل الورودَ والأزهار السورية.. حيث صوته يزاوج الجبل مع سهل الغاب الفسيح ، الذي يبهج الناظر...
أو يسمع أغاني دياب مشهور ( يابو رديّن يابوردانه ، وعالمايا عالمايا).. ولا يسمع خرير مياه الفرات ودجلة في الأراضي السورية... ولا يطرب من رأسه لقدميه !!
أو يسمع صباحاً.. أو في آخر الليل وفي ضوء القمر ؛ موسيقا أمير البزق الحمصي محمد عبد الكريم بمعزوفته " الهام " أو " رقصة الشيطان "... ولا يرقص بنضبات قلبه ؛ مع نقرات يد أمير البزق على آلته الموسيقية ... ،
أو يسمع أغنية ليلى مطر " بدي أخطب لخيي عروس عيونا خضرا... حلبية يما شامية من دمّر أو عين الخضرا... حمصية ولا حموية تصبر عالحلوة والمرة " إلا ويتصوّر أبهى عروس في الكون... وهي العروس السورية ...
وعندما يسمع للموسيقار الراحل فريد الأطرش ، وهو يبكي أخته الراحلة اسمهان بأغنية " بتبكي ياعين على الغايبين " ولا يتذكر كل من غاب عن أهله وذويه ووطنه... أو عزفه المنفرد على العود..
ويسمع المطربة اسمهان وهي تشدو بموال : " يا ديرتي مالك عليَّ لوم... لا تعتبي لومك على من خان..." إلا و يشعر بصوتها ، يأخذه وروحه في عوالم الفضاء وسحر الكون .
ويسمع فهد بلان بصوته المفعم بالكبرياء ... الصوت الجهوري الذي يليق بوصف سهل حوران ، بأنه شرشف قصب ومطرز بنيسان .
وأنا أتابع جوابي... وكان يصعبُ قراءةَ ردود الفعل على وجوه أعضاء اللجنة... وكنت أخاف أن أغفلَ أيّ مطرب/ مطربة غنى لعشق سورية... شعرتُ أن نوراً انسكب على جبل قاسيون .. أو..
من يستمع لصوت دلال الشمالي وهي تشدو " من قاسيون أطل ياوطني ... وأرى دمشق تعانق السحبا ". و لا يشعر بأنه يقف على جبل قاسيون الأشم ، و يرنو إلى دمشق الفيحاء بغبطة و انبهار .
قاطعني رئيس اللجنة... ألم تنتهِ بعد ؟ قلتُ : من فضلك.. بضع دقائق.. صمتَ.. تابعتُ..
ومن يستمع إلى ماجادت به روحُ العازف الشهير عمر النقشبندي على آلة العود بمعزوفته " رقصة ستي" ...و لم يتخيّل الصبايا ترقصن ، والفراشات تحوم بتناغم ، و الطيور تزقزق ، وحتى الأفاعي تتلوى ...فلا تعرف أهي رقصة للأنس أم للجان !! .
أرجوكم بقي طرب واحد... وأنهي إجابتي... أومأ رئيس اللجنة بالموافقة....
من يسمع أغنية " زيِّنو المرجة والمرجة لِنا... شامينا فرجة وهي مزينة " ولا يتصور حشداً من الثوار في ساحة المرجة مع صهيل الخيول ، وترافقها العراضة الشامية ، برقصات السيوف الدمشقية وزغاريد النساء .
من يسمعُ ، كلَّ ما أوردتُ ، ولا يعيشُ حالتها الوجدانية ، ولا يُطرَبُ ، ويرتجفُ ، ولا تتعانقُ الدمعةُ مع الابتسامة في عينيه ...لا يستحقُّ أن يكونَ سورياً ، ولا تليقُ به الجنسيّة السوريّة.
وقفَ أعضاءُ اللجنة ، وقالوا : كفى...كفى.. وبدأوا بالتصفيق بحرارة ، وبكَوا بحرقة..
عانقني رئيسُ اللجنة والأعضاء ، وناولني صحيفةً خضراءَ ، كُتِبَ عليها بحبر أحمر ، قائلاً : مباركةٌ عليك الجنسيّةُ السوريّةُ.
أحبتي ...تحياتي ؛ أينما كنتم.
١٨ آذار ٢٠١٦
د.نور الدين منى


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء