قراءات أدبية ..
.......................................................................................
يقول الفيلسوف والمفكر الألماني العملاق غوته: (كنت أعتقد أن هوميروس أشعر شعراء العالم حتّى قرأتُ لامرئ القيس)
هنا أيها الأخوة في الرابطة سأورد إحدى الطرائف المنسوبة لعصر ماقبل الإسلام فأرجو لكم قراءة ممتعة
يقول الرواة: لـَقـِيَ اٌمرؤ القيس يوماً عُـبَـيْـدَ بن الأبرص الأسدي- وكلاهما من أصحاب المعلّقات العشر- فقال عُـبَـيْـدُ: كيف معرفتك بالأوابد؟ [الأوابد: الألغاز] فردّ اٌمرؤ القيس: قلْ ما شئت تجدْني كما أحببت. علماً أنّ اٌمرأ القيس قد وُصِف بالملك الضّلّيل وكان يُنازع الشعراء.
وقد اعتبر عدد من المؤرّخين أنّ المعارضة، التالية بعد قليل،قد حدثت فعليّاً وليست من تأليف أحد الرواة، وقد سبقت حادثة إقدام بني أسد– أي قوم عُبَيْدَ بن الأبرص– على قتل والد امرئ القيس وهو حجْر بن الحارث الكندي (بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية بن ثور بن مرتع بن... بن يعرب بن قحطان) الذي كان مَلـِكاً على بني أسد وغطفان وأحد ملوك كندة.
وبما أنّ المعارضة (أو المساجلة- سمِّها ما شئت) التي جرت بين الشاعِرَين قد لفتتني، بغضّ النظر عن محاولات التشكيك في حدوثها، آثرت أن أقف حيالها وقفة ما، مُحتفياً بالشعر القديم من جهة ومحاولاً إحياء الشعر العمودي الهادف من جهة مُقابـِلة، معتمِداً أسلوب المعارضة آنذاك؛ بأن يأتي المُعارض ببيت (أو قصيدة) من الوزن العَرُوضيّ نفسه- وهو هنا بحر البسيط- والقافية ذاتها وحرف الرّويّ عينه.
هنا الرواية وقد وردت في ديوان امرئ القيس بشرح د. عُمَر الطبَّاع، كما وردت في كتاب "شعراء النصرانيّة" لمؤلّفه الأب: لويس شيخو اليسوعي، الجزء الأوّل، الصفحة 9 وفي غيرهما:
قال عُبَيْد: مـا حَيّـة ٌ مَيْتـة ٌ قامـتْ بمـِيْتـتِهـا *** دَرْداءُ ما أنبتتْ ناباً وأضراسـا؟ _
في رواية: حَبّة ٌ، بدلاً من حيّة. ويُروى أيضاً: سِنّاً، بدلاً ممّا ورد- ناباً
أجاب امرؤ القيس: تلك الشعيرةُ تُسقـى فـي سنابلهـا *** فأخرجَتْ بعْدَ طول المُكْـثِ أكداسـا
الوقفة- ما نبتة ٌ أثمرتْ خيراً زراعتُها؟ ** تلكَ المَحَبّة ُ تأتي الصّخْرَ إحساسا
عبيد: ما السُّودُ والبيضُ والأسماءُ واحدةٌ *** لا يستطيعُ لهُـنّ النّـاسُ تمسَاسَـا؟
امرؤ القيس: تلك السّحابُ إذا الرحْمنُ أرسَلهـا *** رَوّى بها من مُحُول الأرض أيْـبَاسَا
وقفة: ما الخير والشرّ والأخلاق مُفترَقٌ؟ ** تلك الثقافة ُ تحـوي التِّـبْـرَ والماسا
عبيد: ما مُرتِجَاتٌ على هَـولٍ مَراكِبُهـا *** يقطعْـنَ طولَ المدى سَيراً وإمرَاسَا؟
امرؤ القيس: تِلكَ الـنّجُـومُ إذا حانـتْ مَطالِعُـهَـا *** شَـبّهْـتُـهَا في سَـوَادِ اللّيـلِ أقـبَاسَـا
وقفة: ما وقفة ٌ للضّمير الحَيّ مَرجـِعُها ** تلك العدالة ُ مَنْ نادى بها قاسى
عبيد: ما القاطِعاتُ لأرضٍ لا أنيسَ بهـا *** تأتي سِراعاً وما ترجـِعْـنَ أنكاسَـا؟
امرؤ القيس: تلك الرّيـاحُ إذا هَبّـتْ عَوَاصِفُهـا *** كفـى بأذيالهَـا للـتُّـربِ كـنّـاسَـا
وقفة: ما المُفرَداتُ إذا ما ألقـِيَتْ فَنـِيَتْ؟ ** تلك المعاني ثناها الليّ أقواسا
عبيد: ما الفاجعاتُ جَهَاراً فـي عَلانِيَـةٍ *** أشدُّ مـن فيْلـقٍ مَملـوءةٍ بَاسَـا؟ _
يُروى: ملمومة، بدلاً من مملوءة، باساً: بأساً
امرؤ القيس: تِلكَ المَنايا فمَـا يُبْـقـِيـن مِـنْ أحـدٍ *** يَكفِتنَ حَمْقى ومـا يُـبقـِيـن أكيَاسَـا
وقفة: ما نخلة ٌ رغْم أنفِ الموتِ شامخة ٌ؟ ** تلك الفضيلة ُ ألقتْ خلفها الياسا
المُراد بالياس: اليأس
عبيد: مَا السّابقاتُ سِرَاعَ الطَّيرِ في مَهَـلٍ *** لا يَشتكـِين ولـو ألجَمْتهـا فاسَـا؟ _
امرؤ القيس: تِلكَ الجيادُ عليَها القومُ مُذ نتجَتْ *** كانوا لهُنّ غـدَاة الـرَّوْعِ أحْلاسَـا _
وفي رواية: عليها القوم قد سَبَحُوا، لكنّ التعبير "قد سبحوا" ركيك- في رأيي- لا يَرقى إلى لغة امرئ القيس
وقفة: ما حِيلة ٌ لِيَ إمّا هَـمّ يصفعُـني؟ ** هَـلُـمّ نُصْغي معاً أو نحتسي كاسا
كاساً: كأساً
عبيد: ما القاطِعَاتُ لأرْضِ الجَوّ في طَلَقٍ *** قبل الصّباحِ وَما يَسْرِين قِرْطاسَـا؟ _
يُروى: يسْوينَ، بدلاً من: يسْرين
امرؤ القيس: تِلكَ الأمَانيُّ يَترُكـن الفتـى مَلِكـاً *** دُون السّمَاءِ ولمْ ترْفعْ لَـهُ رَاسَـا _
وفي رواية: لهُ، بدلاً من: بهِ، راساً: رأساً
وقفة: ما شوكة ٌ في فؤادٍ قد يُطاوعُها؟ ** وَعْدٌ يُكرَّرُ تسويفاً وإيناسا
عبيد: ما الحاكمُونَ بلا سَمْـع ٍ وَلا بَصَـر ٍ *** ولا لِسَانٍ فصِيحٍ يُعْجـبُ الـنّاسَـا؟
امرؤ القيس: تِلكَ الموَازِينُ والرّحْمـنُ أنْزَلهَـا *** رَبُّ البَرِيّةِ بَيـن النّـاسِ مِقـيَاسَـا
وقفة- ما تُحفة ٌ أُلقـِيَتْ في رُكْنِ مُهْـمَلةٍ؟ ** قلتُ: العنيدُ الذي عاداكَ إفلاسا
تنويه: وجدت في بعض المواقع الالكترونيّة محاولات عدّة هدفها التشكيك بصحّة الرواية، قد عثرت على أبرز أسبابها وهو- من جهة الدين الإسلامي- ورود كلمة "الرحمـن" في المعارضة (فالعرب في الجاهلية لم تكن تطلق اسم الرحمـن على الله تعالى)،وفي هذا الصدد عدتُ لابن كثير في عمله الموسوعي في السير والأخبار (البداية والنهاية) حيث يسرد ماجرى في صلح الحديبية والمذكور أيضاً في كتاب الدكتور سيّد القمني (حروب دولة الرسول-الجزء الثاني- صفحة291): (إن المسلمين وهم يرون تشدد سهيل- وهو سهيل بن عمرو موفد قريش لعقد الصلح- ويرون تساهل النبي أمامه كادوا يهلكون غيظاً وهمّاً ونكداً،ويزداد الغمّ عندما تبدأ كتابة كتاب الصلح الرسمي.. فعندما بدأ النبي يملي علياً بن أبي طالب قائلا"اكتب:بسم الله الرحمن الرحيم"ردّ سهيل على الفور: أمّا الرحمن فوالله ما أدري ماهو!؟،اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب.
أمّا من جهة الشعر فهناك اعتراض- هنا نصّه حَرْفيّاً: (لو صحّ الخبر عن امرئ القيس, لوجدنا له أصداء في الشعر الجاهلي, ولتلقف الشعراء المساجلة عن امرئ القيس وساروا على طريقته فيها, كما فعلوا في الوقوف على الأطلال مثلاً)
تمت بالعودة لعدد من المصادر والمراجع
وبالاستعانة بمعجم لسان العرب لابن منظور وبطبقات ابن سلّام
أرجو أن تكونوا قد أفدتم واستمتعتم
تحياتي للجميع
د.باسل الشيخ ياسين


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء