خادمة اللاهوت.
مؤلفات ماركس وأنجلز
.......................................................................................
كان الفكر القديم يقوم على النظام العبودي، إلا أن العبودية تحولت، في مرحلة معينة، إلى عائق أمام تطور المجتمع.
وحده التغيير الثوري للظروف الاجتماعية والاقتصادية من كان بإمكانه إزالة القيود التي تعيق تطور المجتمع.
لكن في غياب طبقة ثورية قادرة على دفع المجتمع إلى الأمام، كان محكوما على الحضارة اليونانية الرومانية القديمة بالانهيار.
ما بين انهيار الحضارة القديمة وقيام عصر النهضة سادت فترة من الظلام والجهل أغرقت أوروبا طوال قرون طويلة.
وبينما حافظت الأندلس الإسلامية وبقية العالم العربي على الفلسفة القديمة، فقد سادت العالم المسيحي مرحلة طويلة من الظلام الدامس. كيف يمكن تفسير هذا؟
بالتأكيد لم تكن الفلسفة القديمة قد نُسيت بشكل كامل؛ إذ أن حقنة معينة من أفكار أرسطو وأفلاطون قد دخلت عقيدة الكنيسة الكاثوليكية.
كما كان رجال الدين الأوسع اطلاعا على دراية كافية بالاتجاهات المادية في الفلسفة اليونانية بحيث أطلقوا مجموعة من الافتراءات ضد أفضل ممثليها.
لماذا إذن لم تقدم القرون الوسطى الكثير للعلم والفلسفة؟
سيقول مؤيدو الفكرة القائلة بأن
"التاريخ يصنعه العظماء"
إنه كانت هناك ندرة في العباقرة في الفترة الفاصلة بين عالم الإغريق القدماء وبين عصر النهضة.
لكن هذا غير صحيح، إذ أن العصور الوسطى قد قدمت، في الواقع، بعض العباقرة البارزين.
نيكول دي أورسم .
ولتقديم مثال واحد على ذاك نشير إلى أنه في القرن الرابع عشر، توصل رجل دين ومفكر موسوعي فرنسي، كان يدعى نيكول دي أورسم، أثناء دراسته لفيزياء أرسطو، إلى استنتاجات تتعلق بالكتلة والعطالة تشبه إلى حد كبير الاستنتاجات التي توصل إليها إسحاق نيوتن بعد ذلك بحوالي 300 سنة.
ومع ذلك فإننا لا نتحدث عن قوانين أورسم عن الحركة، بل نتحدث عن قوانين نيوتن.
لماذا؟
يجب البحث عن تفسير ذلك في 300 عام من التطور التاريخي التي تفصل بين الرجلين.
لم يكن الافتقار إلى العباقرة هو ما يعيق تطور العلم آنذاك، بل كان السبب هو التنظيم الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع.
كانت فرنسا في عصر أورسم تقوم على علاقات الملكية الإقطاعية، بل إن دي أورسم نفسه، بصفته رجل دين، كان ينتمي إلى فئة إقطاعية متميزة ادعت لنفسها الحق الحصري بالتفكير في المجتمع.
إن الأفكار السائدة، في كل العصور، هي أفكار الطبقة السائدة، وهذا يعني الأرستقراطية الإقطاعية والكنيسة الكاثوليكية، التي قدمت ديكتاتوريتها الروحية التبرير الأيديولوجي للوضع القائم.
وعلى حد تعبير توما الأكويني:
كانت الفلسفة - وبالتالي الفلسفة الطبيعية أيضا- مجرد "خادمة للاهوت".
كانت لفيزياء أرسطو اليد العليا داخل أديرة القرون الوسطى.
ووفقا لأرسطو كل شيء يتجه نحو مركز الأرض وكل حركة تحيد عن الهبوط العمودي هي حركة غير طبيعية وتتطلب قوة دفع خارجية ثابتة.
بالنسبة للكنيسة كانت القوة الدافعة هي الرب، الذي كان الخالق الدائم للحياة والحركة.
وكان التشكيك في فيزياء أرسطو بمثابة التشكيك في ذات الرب نفسه.
وهكذا فإن كتابات دي أورسم، وعلى الرغم من فتحها الطريق للتطورات اللاحقة، لم يكن يمكنها في حد ذاتها أن تسقط العقيدة القديمة.
لم تكن مثل تلك الأفكار لتشكل، في أفضل الحالات، سوى تعليقات جريئة على أفكار أرسطو.
بالطبع لم تكن العصور الوسطى خالية تماما من الأفكار الأصيلة والبحوث والتطورات العلمية، إلخ. لكن أولئك المنخرطين في مثل ذلك العمل كانوا يواجهون في المقام الأول قيود المجتمع الإقطاعي التي كانت تعيق تجاوز الفكر لحدود معينة.
والأخطر من ذلك هو أن الكنيسة ومؤيديها قاموا بتعطيل مثل تلك التطورات بكل القوة الوحشية التي كانت في متناول أيديهم.
كانت الأفكار التي تتحدى الوضع القائم تتعرض للقمع وتحرق الكتب وأحيانا يحرق مؤلفوها أيضا. بل حتى الفكر الديني نفسه، إذا لم يعجب السلطات، كان يمكن أن يعرض صاحبه للعقاب. كانت المجالات الوحيدة التي ازدهر فيها العلم بشكل واضح هي مجالات العمارة وبناء السفن ومجال الحرب بالطبع، حيث كانت المطالب العلمانية هي السائدة.
كانت العلوم والفلسفة حقول اشتغال خطيرة للغاية، على الأقل حتى بداية عصر النهضة، وفي بعض أجزاء أوروبا لعدة قرون بعد ذلك.
.
كوبرنيكوس والثورة العلمية.


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء