هل تبدأ النهضة الإنسانية من سوريا ؟
.............................................................
وأنت تقرأ التاريخ السوري (ما قبل التاريخ) والقديم ثم القروسطي (القرون الوسطى) ثم الحديث؛ واليوم التاريخ المعاصر الذي نشهده بعيوننا ونعيشه بأنفسنا وجها لوجه أو على شاشات الإعلام الرائي أو العنكبوتي، وانت تقرأ هذا التاريخ تدهشك مركزيته وعالميته. فقبل مئة ألف قفزت البشرية قفزة عملاقة إلى الأمام في سوريا الشام -تحديدا في القلمون مغائر يبرود وما حولها- حيث اعتبرت ثقافة هذه المنطقة جسرا بين البشري بشكله البدائي والإنسان مستخدم الأدوات كما نعرفه في العصور الحجرية.
ولا داع لذكر قوة وتأثير المشرق على الحضارة الإنسانية في العصور القديمة والوسطى لأن هذا بات معروفا للقاصي والداني كمعرفتهم بأبجدية أوغاريت العبقرية.
صحيح أن الحضارة السورية بقيت مركزية بمعنى أنها لم تفقد ملامحها الخاصة ولا خصوصيتها ونكهتها؛ فظلت مركز ارتطام الحجر بالماء منه تخرج دوائر المعرفة والتثقيف والمعاني والفلسفة والثروات أيضا ... إلا أنها انتشرت في كل الأصقاع؛ كما ساهمت فيها مختلف الشعوب والاعراق من آسيا وافريقيا واوروبا، ومن هنا اكتسبت عالميتها وفقدت اخطر ما يهدد النبوغ القومي وهو الشوفينية (عقدة التفوق القومي واحتقار القوميات الاخرى).
ان دوائر الماء الحضارية المتسعة(*) تكررت كثيرا في التاريخ :
فعلى سبيل المثال انتشرت الثقافة النطوفية ماقبل التاريخية إلى مناطق بعيدة جدا، ثم الثقافة السومرية والثقافة الآرامية التي شملت أجزاء من القارات الثلاث (آسيا، أفريقيا، اوروبا) ثم الثقافة الكنعانية الفينيقية والتي من رحمها خرجت كل من الثقافة الهلنستية اليونانية والثقافة ألرومانية اللاتينية.
ثم انبثقت من نفس الأرض الطيبة الثقافة السريانية المسيحية؛ وبعدها الثقافة العربية الإسلامية.
اليوم ثمة محاولات جدية لإعادة الإنسانية عشرات بل مئات السنين إلى الوراء؛ حيث يعود الاقتتال الطائفي والمذهبي؛ وتعود الأساليب القروسطية في الغزو والقتل والعقاب والتفكير والتخاطب اللغوي والذهني؛ وذلك على مرأى من العالم الحديث ومسمعه؛ حيث تفتقت العبقرية الإمبريالية عن إعادة إنتاج همجيي ما قبل التاريخ والقرون الوسطى بشكل يخالف الواقع آنذاك، وبمعالم هوليودية واضحة.
تحاول الإمبريالية العالمية إخضاع الوطن السوري العريق ليس فقط سياسيا بل حضاريا؛ تحاول سلبه درة ما يفتخر به وهو تاريخه وثقافته وحضارته وقيمه؛ تخطط لإقناع العالم ومن ثم المجتمع السوري نفسه بأقطاره السياسية المتعددة أن تلك الحضارة المشرقية ليست سوى خدعة تاريخية مزيفة؛ أو أنها بأحسن الحالات طفرة عابرة في تاريخ القتل والتخلف والاستغلال والكراهية وأكل لحوم البشر.
تحاول أن تفقد هذا الشرق العظيم آدميته ابتداءا بسوريا الشام، حيث تعرض مجتمعها لأقصى حالات القهر والإرهاب والعدم الاقتصادي، بهدف تركيعه أولا واخراجه عن أخلاقه ومبادئه أولا ومعتقداته ثانيا، ليضرب عرض الحائط كل القيم الإنسانية التي تربى عليها والتي حاكها بالحكمة والإيمان أجداده الأوائل.
ولكن الشعب السوري صمد وبقي -قدر الممكن- قابضا على جمرة إنسانيته رغم الظروف العاتية والقاهرة !!
وماذا لو رد الحجر من حيث أتت ؟
جل ما تخشاه الإمبريالية الصهيونية أن تتكرر تجربة هذا الصمود الأسطوري ثانية مع الشعوب الأخرى ابتداء من الشعوب العربية وأولهم مصر وتونس والجزائر .
ماذا لو استنسخت المجتمعات الأخرى التجربة السورية لتصنع نضالاتها الوطنية الكبرى في وجه المد الرجعي الإمبريالي العاتي؟
والأخطر من ذلك ماذا لو تضافرت جهود هذه المجتمعات وتوحدت في وجه المكيدة الكبرى؟
ماذا لو استطاعت سوريا أن تلتفت نحو الفساد لتبدأ عملية اجتثاث قصوى ومؤلمة من الجذور؟ ولتطلق عمليات إعادة البناء العلمي والمعرفي قبل إعادة البناء المدني والعمراني؟ وماذا لو استنسخت هذه التجارب أيضا؟
ألا يكون حينها المشرق قد أطلق حلقة ماء أخرى وكبرى من حلقات حضارته واشعاعه؟
إن هذا ليس وهما، بل الوهم ما يكيدون. لكنه يبقى مرهونا بإرادة الجميع وبعنفوان كل فرد انسان على هذه الأرض الخصيبة في أن يكون نهضويا حقيقيا، في إعلان شارة البدء للآدمية الجديدة.
(*) هذا المثال للعلامة المؤرخ أحمد داوود
علي حسين الحموي


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء