تحرير الذات أولا.
.............................
قيمتان تمثلان مقوم الإنسانية فينا؛ الإرادة؛ والعقل. والحديث عن الإرادة، حديث عن الحرية والخيار. لكن إعمال خياراتنا وتفعيلها؛ سلوكا وحركة، لايقتصر على تفعيل الإرادة قبل تبصر الغايات والإمكانات. وبعبارة أخرى، لابد لنا من تحديد أهدافنا أولا، ومدى قدراتنا وطاقاتنا المتوافرة، للوصول إلى تلك الأهداف ثانيا.
ولايخفى على أحد أن تحديد الأهداف خطوة تتقدم على أي حركة وجهد، باعتبارها المحدد لتطلعاتنا وتوجهاتنا. كما أنها ليست بالعملية الارتجالية والانفعالية المتعجلة، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بخيارات الإنسان الكبرى؛ على الصعيد الفردي والاجتماعي.
المشكلة أننا غالبا ما ننطلق في مقارباتنا من ردات فعل، لنبتعد ،بذلك، عن الموقف المعرفي المتبصر!
ومن أجلى الشواهد على هذه الطامة؛ أننا استفضنا في إصدار أحكامنا حول الحرية، دون أن ندرك حقيقة الحرية ،وبالتالي، مسارات تحققها وأولوياتها!!
لست هنا لأعمّي على هذه القيمة الإنسانية الكبرى، لأغراض سياسية، أوفئؤية، أو نفسية... لكنني أجد نفسي مضطرا لما أقول، حرصا على الحفاظ عليها وصيانتها باعتبارها ضرورة وجدانية وإنسانية، وصولا ،بهذا، إلى صيانة الإنسان والحياة والمجتمع.
لانجانب الواقع عندما نقول إن تصورنا للحرية؛ تصور مشوش ملتبس، وينطلق من مغالطة جعلتنا نظن أن الحرية، إنما تقتصر على تحطيمنا للقيود التي تقف في وجه تصرفاتنا وحركاتنا، في إطار تحققها الخارجي. بمعنى أننا لن نكون أحرارا إلم نتمكن من فعل ما نريد، مهما كانت طبيعة أهدافنا ورغباتنا! غاية الأمر، تجسد خيارات الآخرين رادعا لنا -هذا إذا كنا من الذين يحترمون الآخر- إلا أننا بالرغم من التزامنا السلوكي بماتقتضيه حقوق الآخرين وحرياتهم؛ تبقى أنفسنا مثقلة بضيق وحسرة على ما فاتنا، فنعيش ،على إثر ذلك، تأوهات التمني واستجداءات التلوم! الأمر الذي يبقينا بعيدين ،إلى حد كبير، عن هدوء الرضا والتوازن الداخلي.
لا يفوتني ،ههنا، الإشارة إلى تأثير المقاربة الليبرالية الغربية، في بناء هذا التصور للحرية في عقولنا وحياتنا، ولاسيما بعد الهيمنة المادية، التقنية، التي سجلها هذا الاتجاه، وإن كنا لسنا بصدد الحديث عن مبتنيات هذا الاتجاه، وآثاره وأبعاده؛ توصيفا؛ ونقدا.
يغيب عنا في ظل هذا المشهد؛ وأقصد بذلك التصور السائد عن الحرية، أن نرجع إلى ذواتنا ودواخلنا، من خلال رؤية نقدية "استبطانية"، لنعيد طرح العديد من الأسئلة على أنفسنا. أسئلة، ترجع بنا إلى ما بتنا نعتقد أنه بديهي! لكننا وبعد وقفة صادقة، ربما نذهل لهول النتائج التي قد نصل إليها! ولندرك أن الذات التي تعبر عن هوية كل منا، ليست سوى لغز يستعصي علينا!! من نحن؟ ومادورنا؟ وماذا؟ نريد؟... من أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟ ألا يعقل أن يكون ما اعتدنا عليه، وما اعتقدنا بالخلاص عن طريقه، هو غير ذلك واقعا؟ وهل العبرة في صحة شيء، أو قوته، أن يستقرّ ويمتد مع الزمن، ويعتضد بقوة مادية،فيها الجبروت من جهة، وبريق الألوان من جهة أخرى؟
إن حملت هذه الأسئلة قيمة الاحتمال المنطقي، والميل الوجداني؛ يصبح للسؤال حول الإنسان من جديد، مبرره ومسوغه المنطقي والوجداني. ذلك الإنسان الذي أظن ،ويظن معي الكثيرون، أن أنماط الحياة، بكل جوانبها التي أدمناها واعتدنا عليها؛ جعلت بيننا وبينه مسافات شاسعة. بتنا معها نعيش اغترابا عن ذواتنا، رغم تشدقنا بقيم الإنسان وحقوقه!! علما بأن مثل هذا السؤال، ليس إلا تشكيلا للأرضية الواقيعة، الموضوعية، الفطرية، التي ينطلق منها سؤال الحرية، كما لايخفى على المتأمل.
بلا مواربة أوتدليس، إنها دعوة للعودة إلى الفطرة ونقائها، قبل كل شيء. لكنها للعلم، ليست بالعودة اليسيرة، ولا المزاجية، ولا الساذجة... هذا من جهة. ولابد أنها تستحق التضحية بكل ما نعتقد أهميته وضرورته، من جهة أخرى؛ لأنها تمثل المنطلق والهدف لوجودنا في آن معا، وكل ماسواها رهن لها في تحققه، وأثره المثمر البناء. باختصار، هي منطلق الخلاص ومآله.
إن عودة كهذه، لهي الكفيلة بتحطيم أقسى الأغلال والقيود؛ تلك التي تثقل كاهل أرواحنا، وتحجب عنها أنوار الكمال وفيوضاتها، وتنغص علينا عرفان وصوفية خياراتنا الإنسانية الأصيلة، التي تتتبلور من خلالها حريتنا التي ننشدها في قرارة كينونتنا وجبلتنا. وتجعلنا ،شعرنا بذلك أم لم نشعر، عبيدا أذلاء لغرائزنا ونزواتنا الضيقة، إلى تلك الدرجة التي نرى فيها خير الآخرين وسعادتهم، شرا وخطرا علينا!!
ترى، ألا ينبغي أن يسبق سؤالنا عن الحرية؛ السؤال عن تزكية أنفسنا؟!
جمال صالح جزّان


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء