(أشرنا في المشاركة السابقة إلى خللين أساسيّين أصابا منهجية قراءة النصّ الديني، بفعل ذهنيّة التشدّد... كنا قد تحدّثنا عن الأول، وإليكم الحديث عن الثاني)
ثانيا: الجمود على ظواهر النصوص، بحيث سدّت أبواب الولوج إلى معانيها العميقة، ودلالاتها السامية. ورغم أن قطع النصوص عن سياقاتها، يفقدها القدرة على أداء دورها في بناء الكلّ المتكامل واكتساب أبعادها من خلاله؛ فإن الوقوف على ظاهرها يفقدها دلالتها الذاتية والخاصة أصلا، بحيث تخرج عن المراد تماما. ففي الوقت الذي ينبغي للنص أن يمثّل دلالة معينة، يتشارك فيها مع بقية النصوص لتشكيل النظرية والرؤية المتكاملة؛ فإن الوقوف على ظاهره يسلبه مقوّمه الذاتي الذي يساهم من خلاله في هذه النظرية أوتلك الرؤية. وقد كثرت مخاطر هذه الطريقة، في النصوص المتعلقة بقضايا غيبية، وعلى رأسها صفات الله عزو جلّ؛ حيث صيغت بصور حسّية مألوفة، ليسهّل على الناس تصور معانيها، فاستخدمت المجازات والكنايات، روما لهذا الغرض، لا للمعاني الحقيقة لتلك الألفاظ. فعندما يذكر الله تعالى في كتابه العزيز، مثلا، (وجه الله)، أو (يد الله)، أو (عين الله)، أو... فمن الطبيعي أنه لا يريد المعاني الحقيقية لتلك المعاني، بل المراد هو المعاني المجازيّة التي توحيها استعمالات تلك الألفاظ في لغة العرب.
أمّا عن دور التعصّب في نشوء هذه الطريقة، وترسيخها، فلا يحتاج مزيد إيضاح وبيان؛ إذ من شأن العصبيّة إغلاق آفاق التفكير المنفتح على صاحبها، وقمع التطلّع نحو تلك الآفاق في داخله، فيسهل عليه ،بعد ذلك، تقبّل المعنى الظاهر، على ضيقه وظلمته، بحجّة الالتزام، والحفاظ على شريعة الله ودينه! في الوقت الذي حضّنا فيه الله سبحانه على التدبّر والعقلانية، وجعل لحركة التفكّر، جملة من المنطلقات والثوابت لتحديد البوصلة، على صعيد النصوص نفسها. يقول تعالى {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات}. صحيح، أنّ الله سبحانه حذّر من ابتغاء الفتنة باسثغلال عملية التأويل، إلا أن هذا لا يعني ،بالضرورة، عدم التعقّل والتدبّر، ولاسيما بعد الاستئناس بأهل الذكر، وبهذا إشارة واضحة إلى أن النصوص المتشابهة تكتنز معان ومضامين عميقة، لا يمكن الوصول إليها، بالوقوف على ظواهرها.
لانريد حصر الأمرين السابقين بالتعصّب فقط، لأنّ للعوامل الأخرى؛ سياسية، واجتماعية، دورا في ذلك. لكنّ عقلية التعصّب لها ،بلا شك، باع طويل في هذه الطامّة، التي ابتلي بها كلام الله ورسوله(ص)، ما أوقعنا في مشاكل وأزمات، طالت البنية المعرفيّة (الأبيستمولوجية) التي ننطلق منها ،وعلى أساسها، في بناء الفرد والمجتمع على حدّ سواء، ولازلنا نعاني تبعاتها إلى اليوم، للأسف!!
جمال صالح جزان


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء