الحضارة والإنسان
الحضارة اسم عام لجميع أنواع الرقي وتتجلى معالمها بالنهضات في كافة مناحي الحياة ويعني التكامل الحضاري لأمة من الأمم أو شعب من الشعوب وصوله إلى أعلى درجات الرقي البشري.
إلا أن الحضارات تتمايز عن بعضها البعض بحيث يكون لكل حضارة شخصيتها التي تدل عليها فكل حضارة تبرز في ذاتها واحدا أو أكثر من خطوط التقدم. فعملية التقدم الحضاري ليست بالضرورة ذات خط بياني متصاعد فقد تذوي الحضارة في منطقة مابعد ان شهدت ازدهارا وقد تتفكك ويحل محلها عصر مظلم. كما قد تختفي في مرحلة تاريخية وقد تزول نهائيا ولكن في كل الاحوال فإن الابداعات القيمة التي أنتجتها الحضارة تبقى آثارها تدل عليها. كما تختلف الحضارات في مظاهرها فالناجحة منها كل متماسك ومتكامل فنشاطها الاقتصادي لاينفصل عن نشاطها السياسي ولاتتناقض مقاييسها الاقتصادية والسياسية مع مقاييسها الخلقية وإبداعاتها الفنية ورؤاها الفكرية ونظرتها السليمة للحرية فتحقيق الإنسان لكمال قوته وكمال وجوده يستلزم بالضرورة ان يحقق كمال حريته وهذا الكمال لايتحقق إلا بحرية الاختيار ضمن مفاهيم الحق والخير والجمال. والحضارات تتصف بكونها إنما جاءت لترفع من سوية الإنسان في كافة الصعد المادية والروحية فهي في جوهرها إنسانية لأنها تعتني بروح الإنسان وجسده فالإنسان محور الحضارات وموئلها فهو الذي يقيمها ويطورها ويدفعها قدما لبلوغ أسمى غاياتها وبالعكس من ذلك قد يسهم في زمن ما بهدمها واندثارها لذلك يبقى الإنسان محط دراسة الحضارات لأن دراسة الظواهر الاجتماعية والفنية والاقتصادية والسياسية إنما تتم من خلاله لأنه صانع التاريخ والحضارات. وتختلف وجهات النظر الفلسفية في أسس نشوء الحضارات ومولدها. فيعزوها بعضهم الى أنها وليدة المعطيات المتواجدة في الطبيعة ( مناخ- تربة- مياه- مواد أولية...) كما يعزوها البعض الآخر إلى أن لكل حضارة مصيرا محتوما حتى قبل أن توجد، إذ أن الحضارات شأنها شأن البشر تتبع خطا واحدا. من المولد فالفتوة فالشباب حيث تكون الحضارة في أعلى مراتبها ثم يعقب ذلك الانحدار فالموت.( شبنجلر الألماني). ويرى الجيوفاني باتيستافيكو الإيطالي الذي وضع نظريته الدورات التاريخية أن كل أمة مرت بدائرة مماثلة فمن (عصر بطولة) انتقلت بعده إلى طور الحضارة الحقيقية وبعدئذ أصيبت بالانتكاس وأغلقت بعد ذلك دورة الحضارة لتتلوها دورة جديدة مشابهة لسابقتها ولكن بقيم حضارية جديدة ولكنها أكثر دسما من سابقتها. أما دانيلفسكي الروسي فقد بنى نظريته على ان مجموع تاريخ البشرية يتألف من عدد من الأنماط التاريخية- الثقافية المختلفة وأن لكل منها خصائص ذاتية ودورا في رصيد البشر الحضاري ويميز دانيلفسكي اثنتي عشرة حضارة ويقسم القبائل والشعوب البشرية الى مجموعات ثلاث حسب الدور الذي تلعبه بالنسبة للحضارة فالمجموعة الأولى تشكل القوى الخلاقة (الإيجابية) التي أنتجت الحضارات أما المجموعة الثانية فتمثل الشعوب التي تلعب دوراً هداماً (سلبيا) في مضمار الحضارة أما المجموعة الثالثة فهي الشعوب التي لم تبلغ مستوى الحضارات (ليست إيجابية ولاسلبية) فهي لاتصنع التاريخ في اتجاهه الإيجابي أو السلبي وإنما تستخدمها القوى التاريخية الإيجابية أو السلبية كمادة سلبية لنشاطها أو عملها. وتكثر النظريات والنظرات في مولد الحضارة ونشوئها وأسبابها إلا أن أبسط النظريات في نشوء الحضارات أهمها بل وأقربها الى المنطق نظرية المؤرخ البريطاني(أرنولد توينبي) حيث يرى أن مولد الحضارة يعزى إلى ظروف قاسية بشكل غير عادي بحيث تشكل هذه الظروف تحديا لمجتمع ما فيحاول هذا المجتمع أن يواجه هذا التحدي بنجاح ويتغلب عليه وقد يؤدي هذا الحافز إلى تحسين قوته الداخلية وقدراته الخلاقة إلى درجة كبيرة بحيث يؤدي ذلك إلى مولد ما نطلق عليه اسم الحضارة وعليه فإن مولد الحضارة عنده لايعزى إلى تفوق جنس بشري معين أو إلى ظروف ملائمة بشكل غير عادي بل إلى ظروف قاسية بشكل غير عادي. ونمو الحضارة عند توينبي ليست عملية بيولوجية أوتوماتيكية تجيء في أعقاب مولد الحضارة ويثبت على ذلك أن عدة حضارات توقفت عند حد معين في مجرى حياتها ففي مجرى تطور المجتمع تبقى تواجهه التحديات والمصاعب وقد تهدد كيانه وبالتالي وجوده وبمقدار الرد على هذا التحدي يتحدد مستقبل هذا المجتمع فإذا كان الرد مناسبا وناجحا في مواجهة التحدي والمصاعب فإن حياة المجتمع تستمر بالازدهار. إن التحديات والردود المتكررة عليها بشكل ارتفاعات وانخفاضات نسبية فحين يكون الرد أعظم من التحدي ترتفع الحضارة إلى مستويات عليا في سلم الارتقاء نحو التكامل الحضاري مادام المجتمع مستمرا في مواجهة التحديات باستجابات أكبر فأكبر تنمو الحضارة وتنمو حيث الاستجابة تلي الاستجابة للتحديات المستمرة وهذه الاستجابات تبعث الحيوية في المجتمع فتنمو لديه الحيوية الداخلية ويتحول عمله تدريجيا من الخارج لمواجهة التحديات إلى الداخل، أي من كفاح للسيطرة على المحيط الخارجي إلى جهاد للسيطرة على النفوس وعليه فبمقدار ما تتوسع دوائر الوعي بمقدار ما تزداد اليقظة لمغالبة تيار الحياة نحو الأفضل. إن الحضارة عند توينبي قد تخبو في بعض الأوقات وتمر بعملية تنقية داخلية أو تطور لاتلبث أن تعو د أكثر غنى. كما أن الحضارة عنده قد تزول وتندثر إذا كانت التحديات التي تواجه مجتمعا ما اكبر من الرد عليها بحيث تكون التحديات قاضية على المجتمع وعليه فليست أية قوة خارجية هي التي تدهور المجتمع. فالقول أن السبب في الهزيمة إنما يعود لقوى خارجية قول خاطىء وإنما السبب يعود الى فساد المجتمع من الداخل وهنا ينبه توينبي إلى أن الأخطار التي تواجه المجتمع أثناء تطوره لاتدرأ بانتصار فحسب يعود بعدها للنوم بل إنها غالبا ما تشكل منبها يثبته ١ ذي في سلم الصعود والإرتقاء الى مستويات أعلى فأعلى وعليه فلايقبل توينبي بالنظرية القائلة بأن الحضارة تتدهور بالضرورة بعد فترة معينة من الاضمحلال العنصري أو الروحي بالتالي لايقبل بالتفسيرات الحتمية للتاريخ، فالتاريخ عنده مسرح لمحنة الإنسان وتحوله ودراسة التاريخ عنده محاولة للنظر إليه باعتباره مجموعة حية موحدة من الأعمال والأصول والنظر إلى سجل الشؤون البشرية على ضوء قرائنها بحيث تظهر حيويتها الأساسية وترابطها بعضها بالبعض. فدراسة التاريخ عنده ليست ظاهرة سياسية واقتصادية.. بمعزل عن الإنسان الذي يلعب دورا كبيرا في تحريك هذه العناصر فالتاريخ لا يتحرك ويتطور من تلقاء نفسه ومجمل القول في نظرية توينبي أن النمط الشامل الذي تحكم في ولادة الحضارات وحياتها هو نمط التحدي والاستجابة. فالحضارة البشرية نتيجة الاستجابة الناجحة للتحدي وهي تستمر في النمو مادام ثمة تحديات يواجهها الإنسان ويستجيب لها مواجهة واستجابة فعالتين. إن الإشارة بشكل خاص إلى آراء دانيلفسكي وشبنجلر وتوينبي لايعني انتفاء آراء الكتاب الآخرين وإنما جاء استعراض آرائهم من باب شيوعها وكونها تمثل أكثر التفسيرات اكتمالا وجزما بحياة الحضارات ولعل ابرز التحديات التي واجهت آراء الفلاسفة الثلاثة ما عبر عنه بعض الكتاب الآخرين ومنهم سوروكين الروسي من حيث عدم صحة القول بأن الحضارة تولد وتنمو وتنضج وتتحلل فالحضارات لاتولد ولاتموت فهي ليست نظاما متكاملا ولاوحدة ثابتة متماسكة ولكنها تكتل لظواهر ثقافية: سياسية واقتصادية وعلمية ودينية واجتماعية..الخ، يمكن أن تنتقل من حضارة لأخرى ومع ان عددا من هذه الظواهر يتحد في فترات معينة ليشكل ما نسميه حضارة فمن الجائز أن بعضها وجد قبل ظهور الحضارة أوأنه يحيا بعد اختفائها ومعنى ذلك أن الحضارة لاتولد أو تندثر حقيقة ويقول سوروكين «إن قيما كثيرة من الحضارة( الإغريقية- الرومانية) مازالت تقلد وتطبق وتدمج في حضارتنا وثقافتنا ونظمنا وعقليتنا وسلوكنا وعلاقاتنا..» وقد جاء الرد على ذلك بسيطا فإن القانون الروماني وهو أبرز معاني الحضارة الرومانية وإن كان لايزال يدرس ويطبق فإن ذلك لايعني أن الحضارة الكلاسيكية ذاتها مازالت على قيد الحياة فالحضارة الإغريقية أو الرومانية ماتت لأنها لم تعد تتطور وتنمو وتبتكر. ومهما يكن من أمر هذه النظريات والنظرات فإنه مما لاشك فيه ان الميزة التي تختص بها الحضارات عن المجتمعات البدائية أن هذه المجتمعات نائمة راكدة لاتتغير فهي تستقرىء الطبيعة فتنفعل بظواهرها وأحداثها وتخضع لها وهي على النقيض من الحضارات التي تكون في حركة مستمرة لأنها تصنع التاريخ فالإنسان طور حياته من الحياة البدائية البسيطة في الكهف والغاب مستعملا الأدوات الحجرية إلى حياة عصرية جديدة حيث أدان لسلطانه قوى الطبيعة فاستنبط طاقاتها وسيطر على بيئاتها وسخرها لبحثه العلمي إلى ان وصل إلى ما وصل عليه من مكتشفات علمية باهرة في شتى المجالات الحياتية فطرق أبواب الكواكب بمركبات فضائية حملته إليها وبدت التكنولوجيا الحديثة في عصرنا الحاضر وكأنها الدليل الحي على نمو الحضارة وبدأت الآلة الحديثة تأخذ إلى حد ما دور الإنسان في العمل والتفكير في مجالات كثيرة وأهمها مجال الرفاه الاجتماعي وتحسين معيشة المجتمع بحيث بدت طرائق الحياة تتغير وتتبدل وهذا الأمر نتيجة منطقية لعمل الإنسان المتحضر فهو مفكر يبهجه أن يفعل أشياء مختلفة في كل مرة يغير نمط حياته بسرعة أكثر فالآراء تنمو لديه وتنضج وتطفر وتتطور ثم تظهر في دنياه المتطورة بمعدلات نسبية نحو الأحسن كلما زادت قدراته وملكاته الفعلية. لقد زادت غلبة الإنسان على البيئة عندما استفاد من السيطرة على الطاقة ولم يكن ذلك مصادفة وإنما نتاج خبرة بشرية طويلة ونتاج بحوث علمية قيمة من الفلك إلى الطاقة الذرية مستعملا الإجهزة العلمية والتقنية العالية. لقد ألب الإنسان البيئة على نفسها واستفاد هو من المعركة. مما تقدم يلاحظ التلازم الحتمي بين الإنسان والحضارة ما يستدعي القول بأن الحضارة وإن كانت ملكا لمجتمعها الذي ولدت فيه ونمت بين ظهرانيه ولكنها في البداية ملك للمجتمع العالمي نتيجة للتواصل البشري بين مختلف أمم وشعوب العالم ومجتمعاته وللمصير المشترك الواحد الذي يجمعهم فثمة مشكلات إنسانية تهم الجميع تستلزم تكاتف وتضامن وجهود المجتمع البشري للتصدي لها والتغلب عليها لأنها تعيق التقدم الحضاري الإنساني وتهدد مستقبل البشرية ككل مما يستدعي أن يقام الحوار بين الحضارات لأنه ضرورة استراتيجية لأنه الطريق الوحيد للبشرية وهو حوار للثقافات بالدرجة الأولى وبالتالي فهم الآخر على أساس الاحترام المتبادل الذي يتطلب انفتاح العقل وإرادة التغيير وفي ظل نظام العولمة فإنه من المفيد بمكان أن تقترن العولمة الاقتصادية بالشروط الثقافية التي تجعل للعولمة هوية إنسانية وبذلك نحن على مفترق طرق فإما نحن في طريق حوار الحضارات أو في طريق صراعها من هذا المنطلق فإن حوار الحضارات يجب أن يتم على جميع المستويات هدفه عالم جديد متعدد الثقافات يقيم جسرا للتفاهم ويشير الى أفاق الحوار. ومن هنا يكون للمثقفين ووسائل الإعلام دورٌ هامٌ في إقامة الحوار البناء الذي يخدم التقدم الحضاري.
مصادر البحث:
- مستقبل الحضارة تأليف ج.دي بويس ترجمة لمعي المطيعي.
-أزمة الإنسان الحديث تأليف تشارلو فرنكل ترجمة الدكتور نقولا زيادة.
-فجر الحياة تأليف جوزيف هارولد ترجمة الدكاتره: عبد الحليم منتصر - محمد مصطفى حسن- عبد القادر فطين.
أ.ظافر بشور


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء