pregnancy

الفقراء جنّة الأغنياء










          .الفقراء جنة الأغنياء
....................................
.
ثلاث سنوات وأنا أحجَبُ عن عينيّ  رؤية مستقبلي وكل يوم يمر أتوق للخلاص ألف مرة
ناهيكَ عن السنين التي قضيتها وأنا أتسلق سلم النجاح خطوة خطوة ناسيًا كل شيء حولي

منذُ هشاشة حلمي وأنا أسعى جاهدًا وأقاتل بأظافري كي أكسب العلم وكي لا يطلق عليّ
الكلمات المتدوالة في حيينا الفقير..(..فاشل..)

تلك البؤرة التي نشأت بها وترعرت في كنفها كانت قاسية جدًا لدرجةأني  أستيقظ كلَّ ليلة وأنا أبحث عن أبي المتوفي منذ ثمانية عشر عاماً....

ثمانية عشر عاماً وأنا أتجرع الملل وأشرب من كؤوس الإنتظار وأتوق لرؤية خيالهُ شاخصًا بيني وبين مصاعب الحياة القاسية.......

عندما درستُ سنتين في مرحلة التاسع وكما يسمونها المرحلة النصفية..
لا أخفي عليك بأنني تذوقت مرارة الحياة ألف مرة وكما تعلم وكما تعلمون بأنَّ الحياة خُلقت للشقاء ولا تنطبق على كلّ الأشخاص.....

هيأتُ نفسي لسماع الصدمة الأولى بكل رحابة صدر لأنني أعلم بتلك المحاولات البائسة التي أجهدتُ بها خلال السنة الأولى وسهرت الليالي تارةً أدرس وتارةً أغفو من شدة التعب والألم لأصحو   على صوت صديقي الأجش ، كان يأتي قبل بزوغ الشمس
ولا نعود إلّا ونحن مودعين غروبها 

هو أيضًا أطفالهُ ينتظرونه ولا يَكلون
 بل تذهب دمعاتهم عندما يرون الطعام بين يديه وحبات العرق على جبينه تحكي رواية لا تخلو من التعب..

كنّا نودع بعضنا عند هامش الطريق
نفس الكلمات تترد على مسمعي..
إستيقظ باكرًا...إنتبه لنفسك..غذي روحك....

أودعه وأعود وحيدًا خالي اليدين فارغ الجوف مثقلاً بالتعب كعجوز ينتظر غروب الشمس ليغفو  بين أجنحة الليل......

تخطيتُ كل الحدود وأبعدت عن ذهني أنني سأبقى على وضعي الراهن.....
أدرس بالليل.. أعمل في بهرة النهار حيث الشمسُ ترسم خطوها على وجهي الشاحب...

استجمعتُ قواي لأنهض من السنة الأولى
السنة الثانية أثلجت صدري وكأنني خُلقت من جديد اعتقدتُ بأن نجاحي هوَّ القفزة النوعية للمرحلة الأخيرة....

خرجتُ من القرية وأنا رافع الرأس شامخ
 سنتان من التعب حصلتُ من خلالهما على شهادة صغيرة تدل على كل هذاالعناء ، حضنتها بيدي المثقبتين  بكل هدوء وتروي،  ثم ذهبت الى المدينة حيث سأكمل مشواري في تحصيل العلم..

قدمت كل الأوراق المطلوبة في اللوحة 
وانتظرت ثلاثة أيام ....
ألف حلم راودني كل ليلة، ماذا سأصبح وماذا سأعمل...؟؟!!

ساورتني الشكوك والظنون ووضعتني أمام الورقة التي قدِّمت لي ..
لقد تم الموافقة على شهادتك...
إدفع ثلاثة ألاف ليرة وابصم بيدك اليُسرى...

مددّت يدي على جيبيّ الصغير أبحث هنا وهنا على القطع النقدية المتناثرة
أكملت لهم المبلغ وبصمت بقوة وقالوا لي الأسبوع القادم ستصادف المعلمين  ويبدأ الدوام...

درست ثلاث سنوات(..هندسة ميكانيك..)
قدماي تعثرتَ جيئة   وذهابًا على أطراف الطريق تحملت البرد والجوع خشية التعثر من جديد وكأنّ العذاب كُتِبَ علي..

تعثرتُ في السنة الأولى بفارق لا يعادل الخمسة بالمئة رفضوني كي يزيدو عليّ شقائي وتعبي..
سقطتُ في السنة الثانية بمعدل لا يفارق الثلاثة بالمئة..

لا تهمني السنة الأولى قلتُ  في سرّي سنة تمهيدية ومضت مسرعة..قد غذّت عقلي جيدًا...

السنة الثانية حفرت في قلبي جرحاً  لا يندمل
بفارق صغير عدت ،السنة الثالثة ولكن ليس في مدينتي بل ابتعدت أكثر إلى مدينة حماه

قلتُ مخاطبًا نفسي إن لم أحصل عليها هذه السنة سوف أفشل بالتأكيد....

حالُ الشباب في الدراسة مخيف إن سقطوا ولمْ ينهضوا سوف يرممون بجسدهم أخطائهم

دمعت عيناي عندما رأيت اسمي باللون الأخضر و ليس بالأحمر...( ناجح..)

كان الخبرالآسر  بأنني تخطيت كل أصدقائي وتفوقت عليهم بمعدل 80 ٪
من مدينة (حماه) إلى مدينة (السلمية)
 لم يستطع أحد تجاوز معدلي لأنهم لا يدركون حجم التعب الذي مررت به خلال تلك السنوات...

من فرحتي صرفتُ كلّ ما لدي من مال كنت قد جمعته وأحضرت به شيئاً  صغيراً مني يدل على بهجتي للآخرين..
أغلبهم لم يحضر لا يهمني هذا....

وبعد هنيهة من الزمن خلتها ألف عام ظهرت 
المعدلات النهائية بحثت بسرعة وكانت عيناي لا تبصر إلا على كلمة (..هندسة ..)

وكم معدلها وكم يريدون لها للإنتساب
تفاجأتُ بأنهم وضعو معدل 75 ٪ 
أي أنني أستطيع التحليق والتجول في أركان الجامعة قدمتُ لهم الأوراق وأنا بكامل وعيي وكي لا أنسى أي شيء...
إصطحبتُ لكل ورقة ورقة آُخرى
قلتُ زيادة العدد لا تضر....

إنتظرتُ أسبوعاً وأنا أتقلب على قطعة القماش في زاوية الغرفة لا على سرير مطرز بالألوان

أبي لم يترك من إرثه شيئاً  نتكئ في هرمة شبابنا عليه لا ألومه لأنه قاسى شتى أنواع العذاب....

تمنيتُ لو أنني لم أستيقظ وأن أدع قطعة القماش ترسم على خدي تجاويرها المحرّوقة
تساقطت الهموم على رأسي عندما علمتُ بأنَّ شهادتي رُفِضت ... لماذا لا أعلم..؟؟
رُبما لأن أبي نائم في أديم الأرض 
أرجوكم لا توقظوه  هوّ أيضًا فاقدٌ  أباه
أصبحنا أنا وأبي أيتام في ملجأ الأنسانية
يا إلهي ماذا أفعل ؟

وأنّ لي أن أرد الدعوات التي قاستها أمي في غيابي يوم بعد يوم، ماذنبها وهيَ  التي حاكت من النور ألف أمنية وأودعتها في ندى الصباح....

يارب كيف للمدينة أن تطفئ أنوارها وهناك تقبع الأرواح التي مزقتها كلمة ( ليس لديك معين )

إن بقيت هنا لجمدتُ وتلك السنين الممزوجة بالتعب ستذهب في الريح كحضيض القش كلما رويته بالنار إزداد توهجًا....

اليأس اعتلى قطبة حاجبي ولدرجة أنه سيغطي  طريقي لم أستسلم له....

جمعتُ أوراقي وخرجت وعيناي تدمعان وقلت إن لم أحصل مقعد في الجامعة سأحصل على شهادة من المعهد وسأعارك من جديد سنتين..
بدأت بالدراسة شهرًا واحدًا فقط، كلَّما مددتُ ظهري للأمام كي أبصر أين تقع قدماي كان الوجع ينال مني ...

إعتذرتُ من ألمي وأخذتُ قِسطًا من الراحة مدتها شهر ايضًا، إستأصل الألم من ظهري ونهضت بكل قواي سقطتُ أمام القرار الجارح بأنهم لم يقبلوا المدة التي إسترَّحت بها وكأنني إعتدتُ على الخطوط الحمراء في حياتي ( راسب )

ماذا تحتاجون ها أنا أتيتكم وذاك هو  جرحي انظروا إليه !! 
 لم يكترثوا به ...
أخبروني بالله عليكم إن كنت مقصرًا معكم
فهذا انا وهذا دليلي مكتوب عليه بخط الطبيب 
أنه إستلمني فاقدًا للذة الحياة

وها أنا أستيقظ أمامكم معافى لا شيء بي
حضنتُ خيبة أملي كأم عاقرة تضم لحافها الذي شهدَ عليها تقلباتها النفسية..

خرجتُ وكليّ يأس وشؤم  وكره وحقد....
لآخر  مرة اقنع بها نفسي وأتغلب على وسواسي  بأنني لم أفشل..

خرجتُ من مدينة (حماه) ساعيًا إلى مدينة (حمص) أدرس بها في الجامعة، سنة واحدة فقط أفقدتني عذابي أعلم أنها مكلفة جدًا ولكن ماذا عساي أن أفعل....

إعتدتُ على رؤية الخطوط لحمراء في ألحاظ جفني (..راسب..)

يا إلهي حجم المعاناة التي مررت بها خلال السبع سنوات كبرتني ألف سنة للأمام.....

سا محيني يا أمي  سا محني يا أبي
سُلطة المال طغت على نفوسهم وأنستهم أسس ومبادئ الحياة..

تُرى بأي عين سأواجه نفسيّ الآخر؟
تركته يحدق في مقاعد الجامعة
واختلستُ لوحدي 
عدتُ وكلي حنين لقطعة القماش إنها تنتظرني لتضمني من جديد...
لا ليس شعرًا ولا نثرًا..
ولا بحور الشعر تلفحهُ..
إنها مسيرتي في الحياة...
...

    ..كي لا أنسى
       ..وكي لا تنسوا

        ..الفقراء همْ جنة الأغنياء....


مهدي علي رستم

خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء

:)
:(
=(
^_^
:D
=D
=)D
|o|
@@,
;)
:-bd
:-d
:p
:ng
:lv
شكرا لتعليقك
Loading...