pregnancy

الانزياحات الثقافية عشية الحرب الكبرى








الإنزياحات الثقافية عشية الحرب الكبرى
.....................................................

بدأت الحكاية منذ مطلع الألفية الثالثة، حيث تنامت في المجتمع السوري شريحة برجوازية من محدثي النعمة جنت ثرواتها بواسطة جسورها المالية او المعرفية في الداخل والخارج، لتبدأ بعدها نمط علاقات اقتصادية شبه جديد قائم على التعاون بين الاقتصادي المحدث والحكومي الفاسد، هذه التقاطعات لا شك كان لها تأثير إيجابي على الاقتصاد خصوصا من حيث الشكل، إلا أنها غير متماسكة من حيث المضمون  فمعظم هذه الاقتصادات كانت ريعية خدمية وقليل منها كان إنتاجيا؛ ولهذا ضعفت القدرة الشرائية لليرة السورية بفعل التضخم والتربح السريع والمتوقع.

ترافق كل هذا ما تغير ثقافي سلوكي حيث أصبحت الكثير من المحدثين الاقتصاديين يعلنون بوضوح أهمية المصالح وان العلاقات الاجتماعية الحقيقية هي علاقات مصلحية؛ وكل ما عداها هي علاقات زائفة مآلها الموت والاندثار. واكب هذا التيار توجه مواز على الضفة الثقافية الحداثوية فأصبحت ترى الغروبات الثقافية بكل ما أنطوت عليه من غرائبية وانطلاق وتحرر مبالغ به وتقليد أعمى للغرب وحرية تأنف من أي التزام مبدأي أو أخلاقي. فالتقى الطرفين في أرقى الفنادق والمقاهي ورتبت الجلسات ورفعت النرجيلات وعقدت الصفقات الاقتصادية التي لا تستهدف سوى الجذب ومن ثم الجذب.
 جذب الجمهور في الداخل والخارح والتنطح للمهرجانات وجوائزها اللذيذة؛ حتى غدا المضمون آخر ما يفكر فيه هؤلاء.
أصبح الصرخة المفتعلة والمزورة للتباهي بالأخلاق في وقت تتحطم فيه المباديء بوضوح نظريا وعمليا طريقة لكسب السريع والنجومية الخاطفة ؛ أنتجت هذه المرحلة العديد من المعارض والمسلسلات والأعمال الاعلانية وكذالك الأعمال المدبلجة والافلام الوثائقية والتسجيلية بالإضافة إلى ندوات الدعم الشخصي والنفسي.

كان تعاقد المصالح بين هذا الثالوث المعيب (محدثي النعمة مع الحكوميين الفاسدين مع الحداثويين الجدد) ينذر بسقوط ثقافي تدريجي للتتحول سوريا إلى منطقة حرة للفن العربي حسب الطلب (مثال على ذلك مدد مسلسل باب الحارة الذي لم يكن أكثر من معرض شموع متحركة يفتقد إلى الدقة التاريخية إلى سبعة احزاء) ولتتحول أزقة دمشق القديمة من شرايين تتدفق بالكبرياء والعظمة في الرأس السوري إلى منتجع سياحي يعبر فيه كل العابرين إلا السوريين أنفسهم الذين ليس بمقدورهم تحمل الدفع بالدولار (السوري)
كانت البهرجة تبعث على الابتسام المزيف الخالي من الفرح والمنذر بسقوط مدوي للطبقة الوسطى؛ لأن كل هذا افتقد إلى مشروع ثقافي واضح المعالم في الوطن الحبيب. وبدلا من المأمول ظهر المشروع الليبرالي الثقافي كمقدمة للانزياحات المجتمعية الهائلة والمستقبلية.

انزياحات هائلة قد تجعل من سوريا جزءا من أوروبا الشرقية كما تمنى بعض كتبة التاريخ المتغربين أو تابعا للسلطنة العثمانية الجديدة فقط من باب مسلسلات السلاطين المدبلجة؛ أو امتدادا لروح بيروت الشرقية أو الموحدة بعد انتهاء الحرب أو تكاملا نسويا مع الاقتصادات النفطية.
عشية الحرب الوطنية السورية الكبرى لم يكن المشهد الثقافي ينذر إلا بمزيد من الإنزياحات لتصبح البلاد من بوابة محدثي النعمة والحداثويين الجدد أي من البوابة الثقافية الاقتصادية أقرب إلى تقبل ما لم تقبله الأجيال عبر عقود من قبل؛ من انتكاس أخلاقي أو ارتداد عقائدي (لدى الديانتين) أو تقبل (واقعي) لفكرة -التطبيع أولا- مع (الجارة) العبرانية.
في تلك اللحظة انتشرت في المكان رائحة دخان، صمت الجميع وتحولت وجوههم إلى اللون الأبيض فقد كان هناك (شيء ما يحترق)

علي حسين الحموي
شكرا لتعليقك