لأجل عظمة القراءة..
قبل ارتياد المكتبات، وحدائق الكتب وجنانها، أيا كانت، لابد من استشعار قيمة القراءة ووعيها، وذلك من خلال الإجابة عن أسئلتها التأصيلية؛ وعلى رأسها: (لماذا نقرأ؟)؛ ذلك السؤال الذي يتقدم سائر أسئلة القراءة؛ من قبيل: ماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟... فلا يمكننا ،بأي حال من الأحوال، اختيار مانقرؤه ،ومن ثم، تجهيز كيفيات القراءة المثمرة؛ قبل تحديد جدوى القراءة ومانريده منها.
كثيرة هي أهداف القراءة، كما أنها تتنوّع بتنوع رغبات القارئين وأذواقهم؛ّ فقد تكون مجرد ملء فراغ نفسي؛ أو بناء موقع اجتماعي أوسياسي؛ أو زيادة مخزون المعلومات؛ أو تذوّق متعة قهر فضول المعرفة ولذته؛ أو... وما من شك في أن ما يضفي على هذه الغايات قيمة ومنزلة، إنما هو ارتباطها بسمو الإنسان ورقيّه، وبناء على هذا، يمكن الحكم على مدى استحقاقها فعل القراءة النبيل.
ربما سجل بعض الأهداف ضرورة جزئية أو مؤقتة، لكن الغاية التي لا يقاس بها شيء أبدا، ويفقد ما سواها أيّة قيمة فيما لو عارضها؛ إنما تتجلى في ذلك البناء المعرفي المتكامل، والشخصية المتوازنة، المتفاعلة والفاعلة؛ حيث تتجلى مكانة الإنسان الأسمى، و يتبلور الدور الذي خلق لأجله وكرّم؛ لينطلق القارئ؛ مخلصا في أداء الأمانة الإنسانية؛ واعيا لمبدئه، ومنهجه، ومآله.
ربما استغرب من يطّلع على هذه الكلمات... وربما ضاق صدره بها، انطلاقا من الرغبة في تبسيط الأمور، و "عدم تعقيدها"!! لكن الحقيقة التي لا محيص منها ،وعنها، تقول: لاجدوى ترتجى من قراءة الفتات، مالم تصبّ في غاية القراءة العليا.
بل إننا لو دققنا لوجدنا أن هذا الفتات، وإن لم يقصد به تلك الغاية، بحيث لم تكن في مرام القارئ. لكنه ،مع ذلك، يكتسب قيمته من الغاية نفسها رغم ذلك! نعم، لا غرابةفي ذلك؛ لأن الإنسان في قرارة ذاته متفاعل مع المحيط بالضرورة، فهو جزء من الوجود ولا يمكن انفصاله عنه، وكل مايدركه عنه، يدفعه فطريا إلى المزيد، شاء أم أبى، كما أنه يعيش الغائية المتجلية في الكون. لذلك يمكننا القول، إن معارفنا تدفعنا تدريجيا نحو وعي الكون، ووعي إنسانيتنا قهرا، وذلك في الحالة الطبيعية التي نخلو فيها من الاضطرابات الأخلاقية والنفسية. خلاصة القول: من شأن معرفة "البعض" أن تحرّض فينا المضي نحو الكل، وتوقظ فينا الشوق والحنين إلى سرّ الوجود؛ مبدأ، ومصيرا. ولعله ما يعبّر عن الغاية الأسمى للقراءة التي أتينا على ذكرها آنفا.
يمكن لقارئ كلماتي هذه الاحتجاج عليّ؛ بأنه مادمنا نمضي نحو هدف القراءة الأسمى على كافة الأحوال، فما ضرورة الحديث والتركيز على هذا الهدف؟!!
لكن هذا الاحتجاج لايصمد، إذا ما عرفنا أننا لانعيش حاضنة، وبيئة اجتماعية تربوية متوازنة، تحكمها ظروف طبيعية، تسمح للإنسان أن يمضي على السجية والفطرة. بل لايختلف اثنان على وجود صراع محتدم، تقوده قوى متغطرسة، متعدّدة، متناحرة، آخر همّها الإنسان وقضاياه الأصيلة، ما يجعل تلقائية المضي وعفويته، أمرا مستحيلا، وهو ما يجعل القراءة العفوية الساذجة، غير ذات جدوى في عملية التغيير التي ينشدها كل إنسان؛ بل ربما تحول الاطلاع الساذج الغير متبصّر، والذي يفتقد العمق والدقة، أداة للتدجين والتضليل بيد القوى المسيطرة، خدمة لأغراضها ومشاريعها. وهذا ما يدفعنا لإعادة النظر في تسمية ما يجري في زمننا هذا على وسائل الإعلام، وتحديدا وسائل التواصل الاجتماعي، بأنه "قراءة"؟! على اعتبار أن من لم يمتلك وعيا حقيقيا لدور القراءة، ومدى أهميتها وجدّيتها، وما تستلزمه من جهد، وصبر، ومقاومة... لن تكسبه حركته الاطلاعية ،مهما بلغت، قاعدة اصيلة راسخة، تمكّنه من التغيير والنهوض، ولن يجني من تعدّدية الآراء والتوجّهات، وحرية الرأي والرأي الآخر، وزحمة الأفكار والمفاهيم ،ولاسيما في هذا الزمن، سوى استلاب الإرادة، وتيه العقل، وفقدان البصيرة!
ترى، ألا يدفعنا ما سبق لنسأل أنفسنا: هل نحن من القرّاء فعلا؟!
جمال صالح جزان


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء