pregnancy

التشبيك الاجتماعي (٢)








التشبيك الاجتماعي  2

وعي الذات
...................................

لا يمكن أن نتشابك اجتماعيا مع بعضنا البعض اذا لم يتصالح كل منا مع نفسه، وهو ما يمكن أن نسميه بوعي الذات؛ الذي يمثل نقطة الارتكاز الأساسية لكل بناء اجتماعي، فبدونه تصبح العلاقات أن وجدت مشوهة ومشوبة، وهو ما نعانيه اليوم في مجتمعاتنا.

بالوقت نفسه لا يمكن الانتظار حتى يكتمل الوعي الذاتي وينقى تماما للمباشرة بالبناء الاجتماعي أو إعادة تصحيح علاقاتنا الاجتماعية المفروضة والاختيارية. فالعمليتان يمكن أن تسيران بشكل متساوق مع الأسبقية للوعي الذاتي، والأرجحية من حيث المصلحة للبناء الاجتماعي، الذي في نهاية الأمر يصب في خدمة المجتمع الوطني والإنساني ككل

ربما يقوم الوعي الذاتي على ثلاثة محاور رئيسة كل محور يؤسس لما يليه، وهي : 

أولا. التأمل: وهو يعني تفكير الإنسان بوجوده وصيرورته وبمصيره أيضا، ولهذا غالبا ما يأخذ التأمل طابعا ميتافيزيقيا أو دينيا أو فلسفيا. وعندما يتكرس التأمل أو يصبح مبالغا به يتحول إلى توحد قد يقود إلى الإكتئاب أو الى جنون العظمة
يفترض أن يقوم التأمل على سلام داخلي واعتقاد بخير الوجود وأهمية الذات مهما صغر شأنها

ثانيا. التفاعل الموضوعي: وهو يعني تأثر الإنسان بالمجتمع و بالأحداث المحيطة حوله وتأثيره بها، وحينما يندر التفاعل ندرك أن هذا الإنسان في حالة عزلة عن المجتمع أو في حالة هروب من مواجهة الأحداث والظواهر التي تحيط به، أما إذا كان منخرطا بشكل كبير جدا ومبالغ به ندرك عندها انه مصاب بما يسمى بجنون المجتمع أو أنه فارغ على المستوى الذاتي أو فاشل أسريا وصداقويا. في كثير من الأحيان قد يكون تفاعل الإنسان سلبيا مما ينتج مزيدا من المشكلات الصغيرة والكبيرة للمجتمع.
  
ثالثا. عقدة الذنب: كل إنسان يشعر 
بدرجة وبشكل ما بشعور بالذنب تجاه قضية أو قضايا معينة، وكلما تعمق هذا الشعور زادت مخاطر الارتكاس باتجاه الانطواء أو العنف أو الانحراف أو العبث أو الشعور بالدونية؛ وتعاكس هذه الحالة حالة الشعور بالاضطهاد التي تؤدي إلى نتائج مماثلة. في حين أن المشاعر الطبيعية بالتقصير قد تحفز على الترميم وملء النقص وتصحيح المسار. من الضروري أن ندرك أنها مهما بلغت وتعمقت يمكن التراجع عنها بتصحيح مسار الحياة مرة ثانية وهو ما تؤيده مختلف المذاهب الفكرية والأديان.
 بالوقت نفسه إن نضال الشخص في سبيل ذاته وأسرته ومجتمعة بأساليب حقانية عادلة وإيجابية ترمم هوة الوجود الداخلية التي منها تبث أنواء اليأس والعبث والتشاؤم بما يخص المصير

كلنا ضعفاء من الداخل ونحن فرادى أو على الأقل نمر بأوقات ضعف قاسية ونحتاج بين الحين والآخر إلى الترميم، وقد لا ننجح في ذلك لوحدنا ربما نحتاج إلى دعم خارجي إلا هذا يصب في مضمار التشبيك الاجتماعي وهو خارج موضوعنا
نبالغ أحيانا في تصور خارطة الكائن البشري بأنها بالغة التعقيد، أو على العكس يتخيلها البعض أنها صفحة بيضاء يمكن إضافة أي شيء اليها بسهولة، ربما حقيقة الأمر تتنازع الإنسان قوتين جاذبتين الأولى وهي الأصل وتمثل البنية الأساسية التحتية وهي الكينونة البيولوجية والمادية وما يتفرع عنها من غرائز ومشاعر تعبر هذه القوة عن أشياء وحالات كثيرة مثل الخوف والجوع والشهوة والمصلحة والرغبة
أما القوة الجاذبة الثانية وهي الفرع فتمثل البنية الثانوية الفوقية فهي الكينونة الثقافية والمعنوية التي تعبر عنها أشياء وحالات مثل الإيمان والنضال الإنساني والوطني، بالإضافة الى الفكر والفن والأدب المضاد كل منها للمادة والتفكير المادي، هنا لا بد أن نشير إلى أن أي منتج فكري أو إبداعي يصب القوة الأولى اي قوة المادة يعتبر جزء منها كونه يصب في خانتها.  

والعكس صحيح قد تصب أعمال بيولوجية أو فيزيائية في القوة الجاذبة الثانية اي القوة الثقافية مثل أعمال البطولة والقتال للتصدي للظلم أو للقوى المجرمة.
إن الإنسان الواعي والحضاري هو الإنسان الذي غلب الثقافي على البيولوجي والمعنوي على المادي من منظار إيجابي وليس سلبي مع المحافظة على الوجود البيولوجي واساسيات الحياة المادية
وفق هذه الرؤية نستطيع أن نفسر لماذا ينظر المجتمع بإعجاب للأشخاص المعنويين، ونستطيع أن نفسر كيف تلجأ الحكومات إلى تفقير شعبها ماديا فيضطر للتنازل عن قيمه المعنوية للحصول على حاجاته المادية الأساسية. وكيف يصوم الناس لكبح جماح بيولوجيتهم، كيف يضحي الأبطال بأجسامهم ليذودا عن أرضهم و شرفهم
يمكننا من خلال ذلك تفسير كل تصرف يصدر عنا فإما أن يكون ماديا اساسيا أو معنويا راق أو ما بين
جوهر الفعل الإنساني هو الارتقاء بوجودنا البيولوجي إلى المعاني السامية المترفعة عن المادة قدر المستطاع وبالتالي فإن جوهر الإنسانية هي رفع البشري الى مكانة الانساني
من هنا يمكن أن ينطلق الوعي الذاتي اي الإيمان بالأنا السامية المتصلة بالمعنى الارقى الناهضة بالوجود المادي البيولوجي كيما يلتحق بالمعنوي المطلق، حينها نلتقي مع الآخر بقوة المعاني.

علي حسين الحموي
شكرا لتعليقك