شرق وغرب
ليس اتصال الشرق بالغرب , بالشيء الجديد في تاريخهما , فإنهما قد اجتمعا قبل هذه الفترة كثيراً , وتلاقيا على صعيد واحد مراراً , وهذه الاتصالات كان منها بداعي الفتوح , وكان منها بداعي التثقف , وآخر الانتصار لمبدأ , أو التبشير بعقيدة . ومن هنا كان ينشأ التمازج والتفاعل والتشارك بين العنصرين اللذيْن نظنهما مختلفيْن كل الاختلاف , والتاريخ طافح بهذه الأمثلة على هذه الاتصالات .
تنبه الشعور بهذا الاتصال في نهاية القرن الثامن عشر حيث أصبح الشرق واسم الشرق وحياة الشرق كأسطورة تجتذب الغربيين إليها ثم اتسع في القرن الذي بعده , ولعل لون الاتصال الأول كان اللون الأدبي واللون الديني , بدليل أن الذين اهتموا بالشرق ووصف ألوانه وعاداته هم من الأدباء والشعراء ثم العلماء , ثم استحال هذا اللون الصافي إلى لون تصبغه النزوات والحروب الاستعمارية التي رأت في الشرق مرتعاً خصيباً للفتوحات والمطامع . وبذلك كان الشرق مسرحاً دموياً لهذا التنافس حين أصبح يمثل دوراً خطيراً في حياة الغرب نفسه ...هذا اللون نتركه للمؤرخين والسياسيين , وما يهمنا الآن هو اللون الأدبي الذي عكسه الشرق في الغرب .
لعل لأول رحلة أدبية مسجلة هي رحلة الأديب " شاتوبريان" وأسماها " مراحل من باريس إلى بيت المقدس" , وهو كتاب شائق ممتع يتجاوب مع الأذواق كلها ... يتخلله وصف فيه غلوّ لمخاطر الرحلة وفيه حب كثير , وخيال فسيح , ويصف الأماكن المقدسة , ويقتبس من التاريخ والأساطير , ويتناول الخطوط الكبرى للمشاهد دون أن يتناول دقائقها , على أن الغاية من رحلته كانت زيارة الأماكن المقدسة التي عاش فيها أبطال المسيحية وهو يسجلها في كتابه المشهور " الشهداء" .
والرحلة الثانية قام بها الشاعر الفرنسي الوجداني " لامارتين" سنة 1832 طلباً للاستمتاع والراحة , وهرباً من الجو السياسي الأكدر , فاصطحب زوجته وابنته نحو مهد الأديان , بلاد الشمس . فزار اليونان , ثم يمم الصحراء " مرآة اللانهاية " وطاف في البلاد العربية .ومنها سورية , وعندما وصل دمشق وصفها بقوله: " إن الناظر إذ ينظر يقع على أغرب وأعجب أفقٍ يمكنه أن يقع عليه ...هذه هي دمشق , وغوطتها , التي لاتتناهى, تشقها أنهارها السبعة بجداول لاتُعدّ ولاتحصى , وهناك مئات من الخمائل تلقي بأذرعها هنا وهناك في السهل الفسيح الغارق في الظلال , فأنت لاتترك فيها فاتناً حتى يلاقيك فاتنٌ آخر " .
وهنالك الشاعر العبقري العالمي " فيكتور هيجو" الذي لم يزر الشرق , وإنما تأثر به روحياً وخيالياً ,ولعله كما قيل جاءه حب الشرق من خطرة بسيطة مضحكة , هي أنه لمح مرة شروق الشمس , فانعكس في مخيلته عالم مشرق النور متوهج الضياء , يغمره الضباب الذي تشقه سهام ذهبية
ومن الغريب , في كل مارأيناه , أن أدباء الغرب كلهم لم يجدوا في الشرق إلا مازينته أخيلتهم , من خلال صفحات "ألف ليلة وليلة" فالشرق حلمٌ ذهبي ...والشرق الغارق في الألم والشقاء والفاقة , فقد كان بعيداً عن أنظارأصحابه .
. ظهير الشعراني


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء