.قطرات شحيحة
...................................................................................
أجمع الحبّ أسرارهِ في وحدة القلب والعينُ ترأت لأطيافٍ بعيدة ، الروح تناثَرت في حُلكة الليل وصكيك الأسنان يَدوي ندمًا، في عالم تناسُخ الأرواح خلفَ السماءِ السابعة البعيدة التي نُشير إليها بأيدينا، لم نُدرك يومًا أن خلفَها أطياف تولاها البُعد وأغشاها السكونْ، قطرات شَحيحة تسقِطُ على رأسي، نقطة إثر نقطة تُجمِّد أفكاري بِسيلانها البطيء، تُحيك من سطوتها عليّ أصواتَ من راحوا .
يا إلهي الماءُ يَثعب من الأعلى وشفاهَنا تَنِدُ عطشًا، تِلك أمي تِلكَ القديسة تنتظر أن يمتلئُ قدرها .
ما هو قَدَرُها، أن تنتظر كَسائِر البشر، أن تحضِنَ التُراب بِكلتا يَديها وتروي فؤادها، ظمأُنا نقاخٌ عذبٌ لا مثيل له، نحنُ رَخاخ في العيش نستنشقُ الزهر ونُزفِرُ الندى ومن دقائِقِ الأثير نغرق، يا بَني أُمي مالَكم ﺗﻜﺄﻛﺄﺗﻢ حيارى تُشاهدون ولا تُشاهدون، هذهِ الأرضُ لنا تِلك الأرض ﺍﻟﺴﺠﺴﺞ التي إن طالت أقدامكم عليها علَّمت محياها وذكرت أثاركم، لا تُجفلوا طيورها النائِمة على كتفِ الياسمين، هَلِموا نُحيي الأشجار، نجمع الزهور، نروي فلذة الطيور، من استطاع أن ينثر حبّات الزهور واللوتس، يستطيعُ أن يَنثُرَ زخات من المطر الناعمة توارو عن الأنظار كلّما لاحَ الفجر عودوا عندما يَخبو الظل وتَرقِدُ المياه، نحنُ في القاعِ بُني، في القاعِ من جديد، النور ينسلُ شيئًا فشيئًا من عسجدية الغروب والعواصِف تُصفر، لازال لهيبُ المحرقة مُشتعلًا
رماد وبخور والكثير من أغصان شجرة الصندلِ
تلمّعت عيناهُ الحزينتان وهو يُتمتِم في سره
إن الجسد الذي يغادره السقم فهو عليل، من عاش في كنف الهيكل سيُشفى، ذراتٌ من تُرابٍ ناعمة تقفُ ساخرة بيننا الآن، تيممَ من ماءِ النهر وأمضى في الغابة يُحدث نفسه ويأخذ وجههُ بيديه علَّهُ يَجِدَها خلفهُ لأن أثارها لازالت باقية على الأعشاب الغضّة كأن الطبيعة أثارت بفضولها أن تُزهر تحت أقدامها بلوطًا وسنديانًا وليلكًا، صخبُ الحنين المُعتق يجتز من ذاكرتي، ينهالُ على مسمعي وينفخ رماده، يا ليلكتي الحزينة التي قُطفت بمعولٍ جزار وقدّ من صلصالِها أنغامٌ تُناجي ملائِكةَ الرحمن، تراكِ لا تُدركين فالناسُ نيام الآن وأحلامهم أُجهِضت، الليل رغم ظلامه إلّا أنه سائِرٌ لا يَتزِنُ لِخُطاه يميلُ بكتفهِ على حَدقةِ الأعين ويستميل، قد كنتُ غافيًا في لَحدي في رحمِ أُمي، كانت دقات قلبها تؤلمني، يا إلهي كم من العشاق مروا بسلام ودونوا اسمائهم ها هُنا، أنا ذاك الغائب العابر، حقائب الدهر أجمعتها ورحلت، أنا بحرٌ ومدٌ ورسائل تائِهة في قوارير، أمواجٌ تدفعها وتسلُبها ومدٌ لا يَهاب يسلُبها، ما توارى عن الأعين سلبتهُ المشاعر فنسّقتهُ بشريطٍ على هيئة ذكريات فاختلجت له الروح ودُقت لهُ صنوجَ الحربِ .
إيّاك أن تُسرف في حبِّك يا بني
إيّاك أن تَمحو ما سُطِّر على الجبين
كعوسجٌ حزين على سياج الوطن أبكي وأرتدُ دافعًا حُطامي، تِلك البرودة في صدري أشبه بِنُدَفَ الثلجِ تِلك الدقاتُ لا تُغريكي صدقيني، فالنايُّ الحزين يُلحِّنُ في عزوته وعصافير الأسى تُغردُ وأشباهُ الأربعين لجبيبتي يندبون ويلوحون، أنحني على رُكبتي وأحبو وأجثو كالذبيح لا تُفارق مُخيلتهُ مِقصلة الفِراق
يُلامسُ وجهيَّ التُراب وسيورَ الحذاءِ دُفنت في الأرض لهشاشتها، لا تُبالي في من تُحبّ، ولا تُحبُّ من تُبالي فالروح ثائرة، والقلب لا يستكين ومهدُ العشقِ توّاقٌ إلهي تلكَ الفرحة في أيسر الصدرِ لا تُميتها، على عجلٍ على عجلٍ ستأتي، وطِّنوا أمانيكم قبل بزوغ الشمس واعقدوا القِران بِحُمرةِ الشرقِ ...
من طبطبَ على جرحهِ في الخفاء سَيندمل
ومن سرى في النور توهجَ ألمه وازداد ....
أ.مهدي علي رستم


خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء